حبيب الله الهاشمي الخوئي
408
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ومحصّله أنّكم قد كنتم على غاية الحرص والميل إلى بيعتي مع إباء منّي فمن كان هذا حاله فكيف ينكث وأشار إلى مزيد حرصهم عليها بقوله ( وبسطتم يدي فكففتها ) شوقا منكم إلى البيعة وتمانعا منّي ( ومددتموها فقبضتها ) رغبة منكم إليها واستنكافا منّى ( ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها ) وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس أي ازدحمتم ازدحاما شديدا يدكّ بعضكم بعضا كما يدكّ الإبل العطاش بعضها لبعض على الحياض عند شربها ووجه الشبه مزيد الازدحام . قال الشّارح البحراني : ويمكن أن يلاحظ في وجه الشبه كون ما عنده من الفضايل الجمّة العلميّة والعملية تشبه الماء وكون المزدحمين عليه في حاجتهم وتعطَّشهم إلى استفادة تلك الفضايل النّافعة لعلَّتهم كالعطاش من الإبل يوم ورودها انتهى ، والأوّل أظهر وأشبه ( 1 ) . أقول : وفي تخصيص الصغير والكبير والعليل والكعاب بالذّكر زيادة توكيد وتقرير للغرض المسوق له الكلام ، فانّ من شأن الصّغير على ماله من عدم التميز عدم الالتفات والتّوجه إلى كثير من الأمور ، ومن شأن الكبير على ما به من ضعف الكبر عدم المشي إليها ، وكذلك المريض على ما فيه من ثقل المرض ومن شأن الكعاب الاستحياء عن كشف وجهها لا سيّما في منتدى الرّجال وبين ملاء النّاس فسرور الأوّل بالبيعة وسعى الثّانيين إليها بالتكلَّف والمشقّة ، وحسر الرابعة إليها كاشف عن فرط رغبة العامّة وحرصهم عليها فالبيعة الواقعة على هذا الوجه ليس لأحد أن يتخلَّف أو ينكث عنه . كما أشار عليه السّلام إلى ذلك في كلامه الذي رواه في الارشاد عن الشعبي قال : لمّا اعتزل سعد بن أبي وقاص وعبد اللَّه بن عمر ومحمّد بن سلمة وحسّان بن ثابت وأسامة بن زيد أمير المؤمنين وتوقفوا عن بيعته حمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال : أيّها النّاس إنّكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي ، وانّما الخيار
--> ( 1 ) - الظاهر سقوط شيء كثير من هنا . المصحح .