حبيب الله الهاشمي الخوئي
351
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بنار الاشتياق والمحبة للوصول إليه والحضور بين يديه والرّغبة بما لديه ، واليه أشار الشاعر بقوله : وقالوا قريب قلت ما أنا صانع بقرب شعاع الشمس لو كان في حجري فمالي منه غير ذكر بخاطرى يهيّج نار الحبّ والشوق في صدري وقال آخر : لا تخدعنّ فللمحبّ دلائل ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعّمه بمرّ بلائه وسروره في كلّ ما هو فاعل ومن الدّلائل حزنه ونحيبه جوف الظلام فما له من عاذل والشوق من لوازم المحبة ، والمحبّ للَّه تعالى مضطرّ إلى الشوق إليه . توضيح ذلك انّ كلّ محبوب فهو يشتاق اليه في غيبته لا محالة ، فأما الحاضر الحاصل فلا يشتاق اليه ، لأنّ الشوق طلب وتشوّف إلى أمر ، والموجود لا يطلب ، وذلك لأنّ الشوق إنما يتصوّر بالنسبة إلى شيء يكون مدركا من وجه غير مدرك من وجه ، فأما ما لا يكون مدركا أصلا فلا يشتاق اليه ، فانّ من لم ير شخصا ولم يسمع وصفه لا يتصوّر اشتياقه اليه كما أنّ ما يكون مدركا بكماله وبمرئى من المحبّ ومشهد منه لا يتصوّر له أن يشتاق إليه أيضا ، فالشوق لا يتعلق إلَّا بما أدرك من وجه ولم يدرك من وجه . ومثاله في عالم الظاهر أنّ من غاب عنه معشوقه وبقى في قلبه خياله فهو يشتاق إلى استكمال خياله بالرّؤية ، فلو انمحى عن قلبه ذكره وخياله حتّى نسيه لم يتصوّر أن يشتاق إليه كما أنه لو رآه لم يتصوّر أيضا أن يشتاق إليه في وقت رؤيته ، فمعنى شوقه تشوّف نفسه إلى استكمال خياله . وقد يكون الاشتياق بأن يرى وجه محبوبه ولكنه لم ير ساير محاسنه فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره من تلك المحاسن ولم يثبت في نفسه خيال صادر عن رؤيتها ولكنه علم اجمالا بأنّ له أعضاء جميلة مستورة فيكون مشتاقا إلى إدراكها تفصيلا