حبيب الله الهاشمي الخوئي

352

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بالرّؤية والمشاهدة . والوجهان جميعا متصوّران في حقّ المشتاقين إلى اللَّه . فانّ ما اتّضح للعارفين من المعارف الإلهية مشوب بشوائب التخيّلات وكدورات الأوهام ، فهم مشتاقون دائما إلى استكمال ذلك الوضوح ودفع مكدّرات المعارف ومنقصاتها عن ألواح ضمائرهم حتّى يحصل لهم الترقي من درجة علم اليقين إلى عين اليقين ، وهذا أحد وجهي الشوق إليه تعالى . والوجه الثاني أنّ الكمالات الالهيّة لا نهاية لها ، وانّما ينكشف لكلّ عبد من العباد بعضها على حسب قابليّته واستعداده ، ويبقى وراءه ما لا ينتهى إلى غاية والعارف يعرف وجودها ويعرف أنّ ما غاب له منها أكثر ممّا حصل له ، فلا يزال متشوقا إلى أن يحصل له أصل المعرفة فيما لم يحصل له من المعارف ، ولم يعرفه أصلا لا معرفة واضحة ولا معرفة غير واضحة . والحاصل أنّ أولياء اللَّه المحبّين له والانسين به قلوبهم إليه تعالى ملهوفة ، وبنار الشّوق والمحبّة محترقة ولعلّ إلى هذا نظر من قال : إليك إشاراتي وأنت مرادي وإيّاك أعنى عند ذكر سعاد وأنت مثير الوجد بين جوانحي إذا قال جاد أو ترنّم شاد وحبك ألقى النار بين جوانحي بقدح وداد لا بقدح زناد - هذا قال المحدّث الجزايري في الحديث عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنه بكى شعيب عليه السّلام من حبّ اللَّه عزّ وجلّ حتى عمى ، فردّ اللَّه عليه بصره ، ثمّ بكى حتى عمى فردّ اللَّه عزّ وجلّ عليه بصره ، ثمّ بكى حتى عمى فردّ اللَّه عليه بصره ، فلما كانت الرابعة أوحى اللَّه إليه يا شعيب إلى متى يكون هذا أبدا منك إن يكن هذا خوفا من النار فقد اجرتك ، وإن يكن شوقا إلى الجنة فقد أبحتك قال : إلهي وسيّدي أنت تعلم أنّى ما بكيت خوفا من نارك ولا شوقا إلى جنتك ولكن عقد حبك على قلبي فلست أصبر أو أراك ، فأوحى اللَّه جلّ جلاله إليه أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران .