حبيب الله الهاشمي الخوئي
350
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
انس اللَّه تعالى بأوليائه لا انس أوليائه به كما زعمه الشّارح البحراني وفصل الكلام في كيفيّة انسهم به . ( وأحضرهم بالكفاية للمتوكَّلين عليك ) يحتمل رجوع ضمير الجمع إلى الانسين والى الأولياء ، والأوّل أنسب إلى سياق العبارة ، والثاني أقرب معنى ، والمراد واحد ، أي أنت أكمل حضورا بالكفاية للمتوكَّلين عليك منهم ، أي أبلغ إحضارا لكفايتهم ، وانما كان كذلك لأنّه عزّ وجلّ الغنى المطلق الَّذى لا ينقص خزائنه بالكرم والجود ، والعالم الذي لا يعزب عن علمه شيء ، والقادر الَّذى لا يعجزه شيء ، والجواد الذي لا بخل من جهته ولا رادع من أفضاله . ومع اتّصافه بهذه الأوصاف فهو أقدر على بذل محاويج عباده ، والقيام بكفاية المتّكلين عليه بعد ما علم من حالهم حسن اتكالهم واعتمادهم في جميع أمورهم عليه ، وانقطاعهم عمّن سواه ، واستعدادهم بالهم من التوكل لقبول إفاضاته وعناياته ، فيفيض كلا منهم مقدار كفايته من دون رادع ولا مانع ولا ابطاء ولا تأخير ، فكان أسرع إحضارا لكفاية من استكفاه قال تعالى * ( ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُه ) * وقال * ( أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَه ) * وهو وارد في معرض التقريع على منكر كفايته . ثمّ لما كان من لوازم كونه تعالى أحضر كفاية علمه بأحوال المتوكلين ومكنونات قلوبهم فيما يخافون ويرجون حسبما أشرنا إليه أردفه عليه السّلام بقوله ( تشاهدهم في سرائرهم وتطلع عليهم في ضمائرهم وتعلم مبلغ بصائرهم ) أي أنت بصير بما يسرّونه ، وخبير بما يضمرونه ، محيط بهم علما لا يعزب عنك شيء من مكنونات قلوبهم ومخفيات صدورهم ( فأسرارهم ) المخفية ( لك مكشوفة ) كما قال عزّ من قائل * ( وإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّه يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفى ) * السرّ ما أكننته في نفسك وأخفى ما خطر ببالك ثمّ نسيته . ( وقلوبهم إليك ملهوفة ) أي محترفة مشتعلة ، وهو إشارة إلى احتراق قلوبهم