حبيب الله الهاشمي الخوئي

338

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى ، فأكلهم الجنادل والثرى ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم اياب ، هيهات هيهات « كلَّا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون » . وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار الموت ، وارتهنتهم في ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور ، وبعثرت القبور وحصّل ما في الصّدور ووقعتم للتحصيل ، بين يدي الملك الجليل ، فطارت القلوب لاشفاقها من سلف الذنوب ، هتكت منكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار « هنا لك تجزى كلّ نفس بما كسبت » إنّ اللَّه يقول * ( ولِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ ) * . اغتنموا أيّام الصحّة قبل السقم ، وأيام الشيبة قبل الهرم ، وبادروا بالتوبة قبل النّدم ، ولا يحملنّكم المهلة على طول الغفلة ، فان الأجل يهدم الأمل ، والأيّام موكلة بنقص المدّة ، وتفريق الأحبّة . فبادروا رحمكم اللَّه بالتوبة قبل حضور النوبة ، وبروز اللَّعبة التي لا ينتظر معه الأوبة واستعينوا على بعد المسافة بطول المخافة . فكم من غافل وثق لغفلته ، وتعلَّل بمهلته ، فأمّل بعيدا ، وبنى مشيدا ، فنقص بقرب أجله بعد أمله ، فأجابه منيّته ، فصار بعد العزّ والمنعة والشرف والرفعة مرتهنا بموبقات عمله ، قد غاب فما رجع ، وندم فما انتفع ، وشقى بما جمع في يومه وسعد به غيره في غده ، وبقى مرتهنا بكسب يده ، زاهلا عن أهله وولده ، لا يغنى عنه ما ترك فتيلا ، ولا يجد إلى مناص سبيلا فعلهم عباد اللَّه التعرّج والدّلج وإلى أين المفرّ والمهرب ، وهذا الموت في الطلب يخترم الأوّل فالأوّل ، لا يتحنّن على ضعيف ، ولا يعرّج على شريف ، والجديد ان يحثّان الأجل تحثيثا ، ويسوقانه سوقا حثيثا ، وكلّ ما هو آت فقريب ، ومن وراء ذلك العجب العجب فأعدّوا الجواب يوم الحساب ، وأكثروا الزّاد ليوم المعاد ، عصمنا اللَّه وإياكم بطاعته ، وأعاننا وإياكم