حبيب الله الهاشمي الخوئي

334

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( فمحلَّها مقترب وساكنها مغترب ) يحتمل أن يكون المراد أنّ محلّ القبور ومكانها قريب من الأحياء ولكن ساكنها غريب عنهم ، وأن يكون المراد أنّ محلّ كلّ منها قريب من الاخر ولكن ساكنوها غرباء ، يعني أنّهم تدانوا في خططهم وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم . ( بين أهل محلَّة موحشين ) أي ذوى وحشة ليس بينهم مودّة ولا الفة وعلى كون موحشين بصيغة المفعول فالمعنى استيحاش الاحياء منهم ، وحاصله أنّهم لا يستأنسون بأحد ولا يستأنس بهم أحد لا من الأحياء ولا من الأموات ( وأهل فراغ متشاغلين ) أي فراغ من الأمور الدّنيويّة متشاغلين بالأمور البرزخيّة من السؤال والجواب والثواب والعقاب . ( لا يستأنسون بالأوطان ) كاستيناس الاحياء بأوطانهم ( ولا يتواصلون تواصل الجيران ) كتوصّل أهل الدّنيا بجيرانهم ( على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدّار ) وحاصله أنّهم جيران لا يتأنسون وأحياء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التّعارف ، وانقطعت منهم أسباب التّواصل ، فكلَّهم وحيدوهم جميع ، وبجانب الهجران وهم جيران ( وكيف يكون بينهم تزاور ) وتأنّس ( وقد طحنهم بكلكله البلى ) استعارة بالكناية شبّه البلى بالجمل الضّروس الَّذى يرضّ ويدقّ ما يركب عليه بكلكله أي صدره فأثبت له الكلكل تخييلا ، والطحن ترشيحا ، والجامع أنّ البلى يجعل الأجساد أجزاء دقاقا مثل الدّقيق والطَّحين ، وكذلك يجعل الضّروس بكلكله ما برك عليه عند الصّيال ، ومحصّله استبعاد تزاورهم مع اضمحلال أجسامهم وانحلالها بالبلى وكونهم ممزّقين كلّ ممزّق ( وأكلتهم الجنادل والثرى ) استعارة تبعيّة كما في قولهم : نطقت الحال ، والمراد إفناؤها لهم ، فاستعار لفظ الاكل للافناء أي كيف يكون بينهم تزاور وقد أفنتهم الجنادل والتّراب هذا . ولا يخفى عليك أنّ إنكار التّزاور والتأنس إمّا مخصوص بغير المؤمنين