حبيب الله الهاشمي الخوئي
273
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المعنى اعلم أنّ هذا الكلام كما نبّه الرّضىّ قدّس سرّه ( قاله ) عليه السّلام ( عند تلاوته ) الآية الشريفة في سورة الانفطار * ( يا أَيُّهَا الإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) * وقبل الشروع في شرح كلامه عليه السّلام ينبغي أن نذكر ما قاله المفسّرون في تفسير الآية فأقول : لهم في تفسير قوله : يا أيها الانسان ، قولان : أحدهما أنّه الكافر لقوله تعالى بعد ذلك * ( كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ) * قال عطا عن ابن عبّاس انّها نزلت في الوليد بن المغيرة . والثّانى أنّه عامّ لجميع العصات وهو الأقرب وقوله * ( ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ ) * أي أىّ شيء خدعك وسوّل لك الباطل حتّى تركت الواجبات وأتيت بالمحرّمات وعصيت خالقك وخالفته ، والمراد ما الَّذى آمنك من عقابه يقال غرّه بفلان إذا آمنه المحذور من جهة مع أنّه غير مأمون وهو كقوله * ( لا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ ) * . واختلف في معنى الكريم ، فقيل : هو المنعم الَّذى كلّ أفعاله إحسان وإنعام لا يجرّ به نفعا ولا يدفع به ضررا ، وقيل : هو الَّذى يعطى ما عليه وما ليس عليه ولا يطلب ماله ، وقيل : هو الَّذى يقبل اليسير ويعطى الكثير ، وقيل : إنّ من كرمه سبحانه أنّه لم يرض بالعفو عن السّيات حتى بدّلها بالحسنات . واختلفوا في جهة تخصيص كريميّته بالذّكر دون ساير أسمائه وصفاته فقيل : لأنّه كأنّه لقّنه الإجابة حتّى يقول : غرّني كرم الكريم ، وقيل : للمنع عن المبالغة في الاغترار والاشعار بما به يغرّه الشّيطان فانّه يقول له افعل ما شئت فانّ ربّك الكريم لا يعذّب أحدا ولا يعاجل بالعقوبة ، وقيل : للَّدلالة على أنّ كثرة كرمه مستدعى الجدّ في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه . وقال في الكشاف : فان قلت : ما معنى قوله * ( ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) * وكيف طابق الوصف بالكرم انكار الاغترار به وانّما يغترّ بالكريم .