حبيب الله الهاشمي الخوئي
263
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في غياهب الجهالة ( قد حفّت بهم الملائكة ) أي أحاطت عليهم الملائكة تشريفا وإكراما وعناية من اللَّه تعالى في حقّهم ( وتنزّلت عليهم السّكينة ) وهى هيئة جسمانيّة تنشاء من استقرار الأعضاء وطمأنينتها مع اعتدال حركاتها ، ولعلّ المراد بها برد اليقين الَّذي أشرنا إليه في شرح الكلام الَّذى قبل هذا الكلام له عليه السّلام . ( وفتحت لهم أبواب السّماء ) بالعنايات الالهيّة والإفاضات الملكوتيّة والألطاف الغيبيّة ( واعدّت لهم مقاعد الكرامات ) المشار إليها في قوله عزّ وجلّ * ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونَهَرٍ . فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) * . قال أمين الاسلام الطَّبرسى : أي أنهار من الخمر والماء والعسل ، وضع نهر في موضع أنهار لأنّه اسم جنس يقع على القليل والكثير ، والأولى أن يكون انّما وحدّ لوفاق الفواصل في « مقعد صدق » أي في مجلس حقّ لا لغو فيه ولا تأثيم وقيل : وصفه بالصّدق لكونه رفيعا مرضيا ، وقيل : لدوام النعيم به وقيل : لأنّ اللَّه صدق وعد أوليائه فيه « عند مليك مقتدر » أي عند اللَّه سبحانه فهو المالك القادر الذي لا يعجزه شيء ، وليس المراد قرب المكان تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا بل المراد أنهم في كنفه وجواره وكفايته حيث تنالهم غواشى رحمته وفضله . والحاصل أنهم هيأت لهم تلك المقاعد ( في مقام اطلع اللَّه عليكم فيه ) وفى نسخة الشارح المعتزلي عليهم بدل عليكم وهو أنسب وعلى هذه النسخ فلعلَّه من تغليب المخاطبين على الغايبين ، ويمكن أن يكون النكتة في العدول من الغيبة على الخطاب تهييج المخاطبين والها بهم بالتنبيه على أنّ اللَّه تعالى مطلع عليكم وعليهم جميعا ولكن مقاعد كراماته صارت مخصوصة بهم لتكميلهم للعبودية فينبغي أن تكونوا مثلهم حتى تكون معدّة لكم أيضا كما اعدّت لهم . ( فرضى سعيهم ) أي جدّهم وجهدهم في العبادة ( وحمد مقامهم ) أي مقام عبوديتهم وهو فوق مرتبة مقام العبادة لأنّ العبادة للعوام من المؤمنين والعبودية للخواصّ من السالكين والعبادة لمن له علم اليقين والعبودية لمن له عين اليقين فانّ حقيقة العبودية هي الأسر والتذلل في قيد الرّقية وأن لا يبقى فيه أثر من آثار