حبيب الله الهاشمي الخوئي
262
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقد نقل عن بعض العرفاء وكان محاسبا لنفسه أنّه حسب يوما فإذا هو ابن ستّين سنة ، فحسب أيّامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم ، فصرخ وقال : يا ويلتي أألقى الملك بأحد وعشرين ألف ذنب فكيف وفي كلّ يوم عشرة آلاف ذنب ، ثمّ خرّ مغشيّا عليه فإذا هو ميّت . فهكذا ينبغي أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كلّ ساعة ، ولو رمى العبد بكلّ معصية حجرا في داره لكان في مدّة قليلة تلا صغيرا ولكنّه يتساهل في حفظ المعاصي والملكان يحفظان عليه ذلك أحصاه اللَّه ونسوه وأمّا أولياء اللَّه الكاملون في مقام العبوديّة والطاعة فلهم المداقّة في محاسبة أنفسهم ومعاتبتها ( على كلّ صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصّروا عنها أو نهوا عنها ففرّطوا فيها ) لعدم إخراجهم أنفسهم من حدّ التقصير فانّه عزّ وجلّ لا يمكن أن ينال مدى عبادته ، وكيف يمكن البلوغ إلى مدى عبادة من لا مدى له ، ومن ذلك أنّ المعصومين عليهم السّلام كانوا يعدّون أنفسهم في عداد المذنبين المقصّرين لكون حسنات الأبرار سيئات المقرّبين حسبما عرفت تفصيلا في شرح الخطبة الأولى عند تحقيق عصمة الأنبياء عليهم السّلام . ( وحمّلوا ثقل أوزارهم ) وآثامهم ( ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها ) أي عن حمل الأوزار ( فنشجوا نشيجا ) أي بكوا بكاء متوجّع ( وتجاوبوا نحيبا ) أي جاوب بعضهم بعضا بالنّحيب والبكاء الشّديد ، ولفظ التّجاوب مجاز فانّهم لمّا كانوا في مقام محاسبة النّفس رافعين أصواتهم بالبكاء صاروا بمنزلة المتجاوبين كأن كلَّا منهم يجاوب الاخر ببكائه ونحيبه . ( يعجّون إلى ربّهم من مقاوم ندم واعتراف ) أي يرفعون أصواتهم إليه عزّ وجلّ بالتّضرّع والابتهال في مقامات التوبة والابتهال والاعتراف بالتّفريط والتّقصير . وقوله ( لرأيت ) جواب لو مثّلتهم حسبما أشرنا إليه أي لو تصوّرت حالاتهم في مقاماتهم المحمودة ومجالسهم المشهودة وشاهدت من شؤونهم كيت وكيت لرأيت ( أعلام هدى ) يهتدى باثارهم في ظلم الضّلالة ( ومصابيح دجى ) يقتبس من أنوارهم