حبيب الله الهاشمي الخوئي

261

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وتفكَّرهم في ما ثبت في تلك الألواح من صور أعمالهم الَّتي عملوها من خير أو شرّ وتدبيرهم في جبران الخاسرة منها ومطالبتهم أنفسهم بتدارك ما فاتت وفرّطت فيها بالتاجر الذي يفتح دفتر تجارته ، وينشر ديوان حسابه وينظر ما كتب فيه من صورة مكاسبه ويلاحظ ربحه وخسرانه ، ويدبّر تدارك خسارته . وقد قال عليه السّلام في الخطبة التّاسعة والثمانين : عباد اللَّه زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، وقد مرّ في شرحه ما ينفع في هذا المقام وحقيقة محاسبة النّفس على ما نبّه عليه الغزالي أن يكون للعبد ساعة في آخر النّهار يطالب النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التجار في الدّنيا مع الشركاء في آخر كلّ سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدّنيا وخوفا من فوات منافعها . فانّ التّاجر إذا جلس مجلس المحاسبة مع شريكه ينظر أوّلا في رأس المال ، ثمّ في الرّبح والخسران ليتبيّن له الزّيادة والنّقصان ، فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره ، وإن كان من خسران ضمّنه وكلَّفه جبرانه في المستقبل وكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النّوافل والفضايل وخسرانه المعاصي وموسم تلك التجارة تمام النّهار ، والنّفس بمنزلة الشريك فليحاسبها أوّلا على الفرائض فإنّ أدّاها على وجهها شكر اللَّه تعالى على ذلك ، وإن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء وإن أدّاها ناقصة كلَّفها الجبران بالنّوافل ، وإن ارتكب معصية اشتغل بمؤاخذتها ومعاتبتها ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرّط كما يصنع التّاجر بشريكه . وكما أنّه يفتّش في حساب الدّنيا عن الحبّة والقيراط ويبالغ في المداقّة ويلاحظ مداخل الزّيادة والنقصان ، فينبغي له أن يبالغ في المداقّة في حساب نفسه عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه وتكلَّمه بل عن جميع حركاته وسكناته ، وينبغي أيضا أن يحاسب النّفس على جميع عمره يوما فيوما وساعة فساعة في جميع الأعضاء الظاهرة والباطنة .