حبيب الله الهاشمي الخوئي

260

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشره ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة إلى غير هذه مما أخبر به الكتاب العزيز ونطق به الأخبار . ( فكشفوا ) ببياناتهم الفصيحة وكلماتهم النصيحة ( غطاء ذلك ) أي ما رأوه بعين اليقين من محجوبات الغيوب ومستورات الغيب المحجوب ( لأهل الدّنيا ) تنفيرا لهم عنها وترغيبا إلى دار الأخرى ( حتّى كأنهم ) من شدّة اليقين وقوّة أبصار البصاير وآذان العقول ( يرون ) من أحوال النشأة الأخروية ( ما لا يرى ) ساير ( الناس ويسمعون ما لا يسمعون ) وهذا المقام مقام قوله عليه السّلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . قال الشارح البحرانيّ : لما كان السبب في قصور النفوس عن ادراك أحوال الآخرة وهو تعلَّقها بهذه الأبدان واشتغالها بتدبيرها والانغماس في الهيئات الدّنيوية المكتسبة عنها ، وكان هؤلاء الموصوفون قد غسلوا درن تلك الهيات من ألواح نفوسهم بمداومة ذكر اللَّه وملازمة الرّياضة التامّة ، حتّى صارت نفوسهم كمرايا مجلوّة حوذى بها سطر الحقائق الإلهية فجلت وانتقشت بها ، لا جرم شاهدوا بعين اليقين سبيل النجاة وسبيل الهلاك وما بينهما فسلكوا على بصيرة وهدوا الناس على يقين وأخبروا عن أمور شاهدوها بأعين بصائرهم وسمعوا باذان عقولهم ، فكأنهم في وضوح ذلك لهم وظهوره واخبارهم عنه قد شاهدوا ما شاهده الناس بحواسّهم ما لم يشاهده الناس وسمعوا ما لم يسمعوه . ( فلو مثلتهم بعقلك ) أي تصوّرت مثالهم وصورهم ( في مقاومهم المحمودة ) أي مقامات عبوديتهم وتذلَّلهم التي يحمدهم اللَّه ربّ العالمين بالقيام في تلك المقامات ( ومجالسهم المشهودة ) أي مجالس عبادتهم وتضرّعهم الَّتي تشهدها الملائكة المقرّبون كما قال عزّ من قائل * ( وقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) * قال المفسرون معناه إنّ صلاة الفجر تشهدها ملائكة اللَّيل وملائكة النهار وقوله عليه السّلام : ( وقد نشروا دواوين أعمالهم وفرغوا لمحاسبة أنفسهم ) من الاستعارة التمثيليّة حيث شبّههم عليه السّلام في تتبّعهم لنفوسهم وملاحظتهم لألواح ضمايرهم