حبيب الله الهاشمي الخوئي

239

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

حين خلقه اللَّه عزّ وجلّ وابتدعه ، قال اللَّه تبارك وتعالى : انّي خلقت وركَّبت جسده من أربعة أشياء ، ثمّ جعلتها وراثة في ولده تنمي في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة ، وركَّبت جسده حين خلقته من رطب ويابس وسخن وبارد ، وذلك أنّي خلقته من تراب وماء ثمّ جعلت فيه نفساً وروحاً فيبوسة كلّ جسد من قبل التّراب ، ورطوبته من قبل الماء ، وحرارته من قبل النفس ، وبرودته من قبل الرّوح . ثمّ خلقت في الجسد بعد هذا الخلق الأوّل أربعة أنواع ، وهنّ ملاك الجسد وقوامه بادنا لا يقوم الجسد إلَّا بهنّ ولا تقوم منهنّ واحدة إلَّا بالأخرى : منها المرّة السوداء ، والمرّة الصّفراء ، والدّم ، والبلغم ثمّ اسكن بعض هذا الخلق في بعض ، فجعل مسكن اليبوسة في المرّة السّوداء ، ومسكن الرّطوبة في المرّة الصفراء ، ومسكن الحرارة في الدّم ، ومسكن البرودة في البلغم . فأيّما جسد اعتدلت فيه هذه الأنواع الأربع الَّتى جعلتها ملاكه وقوامه وكانت كلّ واحدة منهنّ أربعا لا تزيد ولا تنقص كملت صحّته واعتدل بنيانه ، فان زاد منهنّ واحدة عليهنّ فقهرتهنّ ومالت بهنّ دخل على البدن السّقم من ناحيتها بقدر ما زادت وإذا كانت ناقصة تقلّ عنهنّ حتّى تضعف من طاقتهنّ وتعجز عن مقارنتهنّ « مقاومتهنّ » قال وهب : فالطبيب العالم بالدّاء والدّواء يعلم من حيث يأتي السقم من قبل زيادة تكون في احدى هذه الفطرة الأربع أو نقصان منها ، ويعلم الدّواء الَّذى به يعالجهنّ فيزيد في النّاقصة منهنّ أو ينقص من الزّايدة حتّى يستقيم الجسد على فطرته ويعتدل الشيء بأقرانه . إذا عرفت ذلك فنقول : إذا أراد اللَّه أن يشفى المريض ويحصل له البرء من مرضه أصاب المعالج واهتدى إلى معرفة ما به من الدّاء ونفع الدّواء بالخاصيّة الَّتى فيه وإذا قضى أجله أخطأ المعالج أو سقط الدّواء من التأثير أو أمدّ ضدّ خاصيّته المكمونة