حبيب الله الهاشمي الخوئي
196
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
رفعة الدّرجات الاخرويّة وعظم خطرها وخسّة الزّخارف الدّنيويّة وحقارتها ، فتتمّ بذلك رغبته عن الدّنيا وشوقه إلى الآخرة ، والسّهر أيضا من خواصّ الجوع وبالشبع غير ممكن . وأمّا العزلة والخلوة ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر ، فإنهما دهليز القلب والقلب بمنزلة حوض تنصبّ إليه مياه كريهة كدرة من مجارى الحواس والمقصود بالرّياضة تفريغ الحوض من المياه الردغة ومن الطَّين الحاصل منها فينفجر أصل الحوض فيبغ منه ماء نظيف سائغ صاف ولا يمكن نزح ماء الحوض والأنهار إليه مفتوحة فيتجدّد في كلّ حال أكثر ممّا ينقص . قال الرّضا عليه التحيّة والثناء إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان يقول : طوبى لمن أخلص للَّه العبادة ولم يشغل قلبه بما تراه عيناه ولم ينس ذكر اللَّه بما تسمع أذناه الحديث . فلا بدّ من ضبط الحواس إلَّا عن قدر الضرورة ولا يتمّ ذلك إلَّا بالعزلة والخلوة . قال بعض السّياحين : قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق كيف الطريق إلى الحقّ قال : أن تكون في الدّنيا كأنّك عابر طريق ، وقلت له مرّة : دلَّنى على عمل أجد قلبي فيه مع اللَّه تعالى على الدّوام ، فقال لي : لا تنظر إلى الخلق فانّ النّظر إليهم ظلمة ، قلت : لا بدّ لي من ذلك ، قال : فلا تسمع كلامهم ، فانّ في سماع كلامهم قسوة ، قلت : لابدّ لي من ذلك ، قال : فلا تعاملهم فانّ معاملتهم وحشة ، قلت : أنا بين أظهرهم لا بدّ لي من معاملتهم ، قال : فلا تسكن إليهم فانّ السكون إليهم هلكة ، قال : قلت : هذا لعلَّه يكون ، قال يا هذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع اللَّه تعالى على الدّوام ، ولا يمكن ذلك إلَّا بأن يخلو عن غيره ولا يخلو عن غيره إلَّا بطول المجاهدة ، وقد عرفت أنّ طريق المجاهدة مضادّة الشهوات ومخالفة هوى النّفس ، فإذا حصل للسالك هذه المقدّمات اشتغل بذكر اللَّه تعالى بالأذكار الشرعيّة من الصّلاة وتلاوة القرآن والأدعيّة المأثورة والتسبيح والتهليل وغير ذلك بلسانه وقلبه ، فلا يزال يواظب عليها حتّى لا يبقى على قلبه ولسانه