حبيب الله الهاشمي الخوئي

197

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

غير ذكره تعالى ، ولا يكون له منظور غيره أصلا ، فعند ذلك يتجلَّى له من أنوار جماله وسبحات عظمته وجلاله ما لا يحيط به لسان الواصفين ، ويقصر عنه نعت الناعتين . هذا من الشّرايط والوظايف المقرّرة قد أشار إليها أمير المؤمنين عليه السّلام في مطاوي كلماته وخطبه المتقدّمة وغيرها كثيرا . مثل ما رواه في الوسايل من أمالي ابن الشيخ قال روى انّ أمير المؤمنين عليه السّلام خرج ذات ليلة من المسجد وكانت ليلة قمراء فأمّ الجبّانة ولحقه جماعة تقفون أثره فوقف عليهم ثمّ قال عليه السّلام : من أنتم قالوا : شيعتك يا أمير المؤمنين ، فتفرّس في وجوههم قال : فمالى لا أرى عليكم سيماء الشّيعة ، قالوا : وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين قال عليه السّلام : صفر الوجوه من السّهر عمش العيون من البكاء حدب الظهور من القيام خمص البطون من الصّيام ذبل الشفّاه من الدّعاء عليهم غبرة الخاشعين . وقال عليه السّلام في الخطبة الثانية والثمانين : فاتّقوا اللَّه تقاة ذي لبّ شغل التفكَّر قلبه وأنصب الخوف بدنه وأسهر التهجّد غرار نومه وأظمأ الرّجاء هواجر يومه وأظلف الزّهد شهواته وأوجف الذّكر بلسانه وقدّم الخوف لابانه وتنكب المخالج عن وضح السبيل وسلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب . وغير ذلك ممّا تقدّم في ضمن خطبه المسوقة في الحثّ على الزهد والتقوى ووصف حال المتقين ولا حاجة إلى الإعادة . ثمّ لا يخفى عليك أنّ مطلوبيّة الاعتزال والخلوة إنّما هي للفراغ للذّكر والخلوة والعبادة وكون المعاشرة مانعة منه ، وأمّا إذا لم تكن المعاشرة مانعة بل تبعثه على سلوك الصّراط المستقيم كالجمعة والجماعات وزيارة الاخوان المؤمنين والاجتماع في مجالس الذّكر ونحوها فهي من أعظم العبادات ، وسلوك نهج الحقّ على ما ذكرنا من الآداب والوظايف هو المتلقّى من صاحب الشرع . وأمّا غيرها ممّا ذكره الصّوفية من الآداب والوظايف في المجاهدة والرّياضة وكيفيّة السّلوك مثل قولهم بالجلوس في بيت مظلم والخلوة أربعين