حبيب الله الهاشمي الخوئي

176

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وكلّ هذا إذا تأمّله المنصف علم أنّ الشيعة أصابت في أمرو أخطأت في أمر . أمّا الأمر الَّذى أصابت فيه فقولها إنّه امتنع وتلكا وأراد الأمر لنفسه وأما الأمر الذي أخطأت فيه فقولها إنّه كان منصوصا عليه نصّا جليا بالخلافة تعلمها الصّحابة كلَّها أو أكثرها وإنّ ذلك خولف طلبا للرياسة الدّنيويّة وايثارا للعاجلة ، وإنّ حال المخالفين للنصّ لا تعدو أحد الأمرين إمّا الكفر أو الفسق فانّ قرائن الأحوال وأماراتها لا تدلّ على ذلك وإنّما تدلّ وتشهد بخلافه . وهذا يقتضي أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان في مبدء الأمر يظنّ أنّ العقد لغيره كان من غير نظر في المصلحة ، وأنّه لم يقصد به إلَّا صرف الأمر عنه والاستيثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته إلى أن صحّ عنده وثبت في نفسه أنّهم أصابوا فيما فعلوه وأنّهم لم يميلوا إلى الهوى ولا أرادوا الدّنيا ، وإنّما فعلوا الأصلح في ظنونهم ، لأنّه رأى من بغض النّاس له وانحرافهم عنه وميلهم عليه وثوران الأحقاد الَّتي كانت في أنفسهم واحتدام النّيران الَّتي كانت في قلوبهم ، والتّرات الَّتي وترهم فيما قبل بها ، والدّماء الَّتي سفكها منهم وأراقها ، وتعلَّل طائفة أخرى منهم للعدول عنه عليه السّلام بصغر سنّه واستهجانهم تقديم الشّاب على الشيوخ والكهول ، وتعلَّل طائفة أخرى منهم بكراهيّة الجمع بين النّبوة والخلافة في بيت واحد فيجفخون ( 1 ) على النّاس كما قاله من قاله ، واستصعاب قوم شكيمته وخوفهم شدّته وعلمهم بأنّه لا يداجي ( 2 ) ولا يحابي ولا يراقب ولا يجامل ( 3 ) في الدّين ، وانّ الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه ويعمل بموجب استصلاحه ، وانحراف قوم آخرين عنه كان للحسد الَّذى كان له عندهم في حياة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لشدّة اختصاصه له وتعظيمه ايّاه وما قال فيه فأكثر من النّصوص الدّالة على رفعة شأنه وعلوّ مكانه ، وما اختصّ به من مصاهرته واخوّته ونحو ذلك من أحواله معه

--> ( 1 ) - أي يتكبّرون . ( 2 ) - أي لا يدارى ( 3 ) - جامله عامله بالجميل أو أحسن العشرة