حبيب الله الهاشمي الخوئي
177
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وتنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب والتّيه كما زعموا واحتقاره العرب واستصغاره النّاس كما عدّدوه عليه وإن كانوا عندنا كاذبين ، ولكنّه قول قيل ، وأمر ذكر ، وحال نسبت إليه . وأعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل هذا نحو قوله : فانّا صنائع ربّنا والخلق بعد صنائع لنا ما صحّ به عنده أنّ الأمر لم يكن ليستتمّ له يوما واحدا ولا ينتظم ولا يستمرّ ، وأنّه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استيصال شافة الاسلام وهدم أركانه ، فأذعن بالبيعة وسمح إلى الطَّاعة وأمسك عن طلب الامرة وإن كان على مضض ورمض ، وهذا المذهب هو أقصد المذاهب وأصحّها ، وإليه يذهب أصحابنا المتأخّرون من البغداديّين وبه نقول . قال : واعلم أنّ حال عليّ عليه السّلام في هذا المعني أشهر من أن تحتاج في الدّلالة عليها إلى الاسهاب والاطناب ، فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بخمس وعشرين سنة ، وفي دون هذه المدّة تنسي الأحقاد وتموت التّرات وتبرد الأكباد الحامية وتسلوا القلوب الواجدة ويعدم قرن من النّاس ويوجد قرن ولا يبقي من أرباب تلك الشحناء والبغضاء إلَّا الأقلّ فكانت حاله بعد هذه المدّة الطويلة مع قريش كأنّها حالة لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمّه من إظهار ما في النّفوس وهيجان ما في القلوب حتّى أنّ الأخلاف من قريش والأحداث والفتيان الَّذين لم يشهدوا وقايعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله وتقاعست عن بلوغ شأوه ، فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة وسيفه بعد يقطر دما من مهج العرب لا سيّما من قريش الَّذين بهم كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد ، وعليهم كان وجب أن يعتمد إذا كانت تدرس أعلام الملَّة وتتعفّي رسوم الشريعة وتعود الجاهليّة الجهلاء إلى حالها ويفسد ما أصلحه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في ثلاث وعشرين في شهر واحد ، فكان من عناية اللَّه تعالى بهذا الدّين أن ألهم الصّحابة ما فعلوه ، واللَّه متمّ نوره ولو كره المشركون ، انتهى كلامه جزاه اللَّه ما يستحقّه أقول : ويتوجّه عليه :