حبيب الله الهاشمي الخوئي
175
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ولقائل أن يقول لهم : أتقولون إنّ بيعة عثمان لم تكن صحيحة فيقولون : لا . فيقال لهم : فعلى ما ذا تحملون كلامه عليه السّلام مع تعظيمكم له وتصديقكم لأقواله فيقولون : نحمل ذلك على تألَّمه وتظلَّمه منهم إذ تركوا الأولى والأفضل ، فإنكم لستم تنكرون أنه كان الأفضل والأحقّ بالأمر بل تعترفون بذلك وتقولون ساغت إمامة غيره وصحّت لمانع كان فيه وهو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أنّ العرب لا تطيعه فإنه تخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولى الخلافة لأسباب يذكرونها ويعدّونها ، وقد روى كثير من المحدّثين أنه عليه السّلام عقيب يوم السقيفة تألَّم وتظلَّم واستنجد واستصرخ حيث ساموه الحضور والبيعة وأنه قال وهو يشير إلى القبر : إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ، وأنه قال : وا جعفراه ولا جعفر لي اليوم وا حمزتاه ولا حمزة لي اليوم ، وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدّم وكلّ ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل والقرابة وليس بدالّ عندنا على وجود النصّ ، لأنه لو كان هناك نصّ لكان أقلّ كلفة وأسهل طريقا وأيسر لما يريد تناولا أن يقول : يا هؤلاء إنّ العهد لم يطل وإنّ رسول اللَّه أمركم بطاعتى واستخلفني عليكم بعده ، ولم يقع منه بعد ما علمتموه نصّ ينسخ ذلك ولا يرفعه فما الموجب لتركى والعدول عنّي . فان قالت الامامية : كان خاف القتل لو ذكر ذلك . قيل لهم : فهلَّا خاف القتل وهو يقتل ويدفع ليبايع وهو يستصرخ تارة بقبر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتارة بعمّه جعفر وأخيه حمزة وهما ميّتان ، وتارة بالأنصار ، وتارة ببني عبد مناف ويجمع الجموع في داره ويبثّ الرّسل ليلا ونهارا إلى النّاس يذكرهم فضله وقرابته ويقول للمهاجرين خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وأنا اخصمكم بما خصمتم به الأنصار ، لأنّ القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم وهلَّا خاف من الامتناع ومن هذا الاحتجاج ومن الخلوة في داره بأصحابه ومن تنفير النّاس عن البيعة الَّتي عقدت حينئذ لمن عقدت له .