حبيب الله الهاشمي الخوئي
11
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
كثير فانّ اللَّه عزّ وجلّ قد رضي بالخمس ، وقد جعل اللَّه عزّ وجلّ له الثلث عند موته ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به . ثمّ قد علمتم من بعده في فضله وزهده سلمان رضي اللَّه عنه وأبوذرّ رحمه اللَّه . فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد اللَّه أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدرى لعلَّك تموت اليوم أو غدا ، فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علىّ الفناء أما علمتم يا جهلة أنّ النّفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت وأمّا أبوذرّ رضي اللَّه عنه فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللَّحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشّاة على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللَّحم ، فيقسمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم ومن أزهد من هؤلاء وقد قال فيهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما قال ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتّة كما تأمرون النّاس بالقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم واعلموا أيّها النّفر أنّى سمعت أبي يروي عن آبائه عليهم السّلام أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال يوما : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن إنّه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له ، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له ، وكلّ ما يصنع اللَّه عزّ وجلّ به فهو خير له . فليت شعري هل يحقّ فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم أما علمتم أنّ اللَّه عزّ وجلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرّجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولَّى وجهه عنهم ، ومن ولَّاهم يومئذ دبره فقد تبوّء مقعده من النّار ، ثمّ حوّلهم من حالهم رحمة منه لهم فصار الرّجل منهم