حبيب الله الهاشمي الخوئي

14

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وقوله عليه السّلام ( فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرّهينة ) استعار عليه السّلام لفظ الوديعة والرّهينة لتلك النفس الكريمة لأنّ الأرواح كالوديعة والرّهن في الأبدان أو لأنّ النّساء كالودايع والرّهاين عند الأزواج يجب عليهم مراقبتهنّ ومحافظتهنّ كما يجب على المستودع والمرتهن حفظ الودايع والرّهاين . ثمّ ذكر ما ناله من تلك المصيبة فقال : ( أمّا حزنى فسرمد وأمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار اللَّه لي دارك الَّتي أنت بها مقيم ) يريد أنّ حزنه دائم وأنّه يسهر ليله إلى انتقاله إلى الدّار الآخرة والتحاقه برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في مجلس القدس ومحفل الانس . وهذا كما قال الشّارح المعتزلي من باب المبالغة الَّتي يستعملها الفصحاء والشّعراء في كلامهم وهو من محاسن البلاغة قال الشاعر : قال لي كيف أنت قلت عليل سهر دائم وحزن طويل وإنما قلنا : إنه من باب المبالغة لأنه ما سهر منذ ماتت فاطمة عليها السّلام إلى أن قتل وانما أسهر ليلة أو شهرا أو سنة نعم دوام الحزن فهو على حقيقته فإنه لم يزل حزينا إذا ذكرت فاطمة عليها السلام عنده . ثمّ ساق الكلام مساق التشكَّى إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من سوء فعل الأمة بعده فقال ( وستنبئك ابنتك بتظافر امّتك على هضمها ) لا يخفى ما في هذه العبارة من حسن البيان مع بديع الايجاز فانّ التظافر بمادّته التي هي الظفر وهو الفوز على المطلوب يدلّ على أنّ هضمها كان مطلوبا لهم لكنهم لم يكونوا متمكَّنين من الفوز به ما دام كونه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيا بين أظهرهم ، فلما وجدوا العرصة خالية من وجوده الشريف فازوا به . وان كان مأخوذا من أظفر الصقر الطائر من باب افتعل وتظافر أي أعلق عليه ظفره وأخذه برأسه فيدلّ على أنهم علقوا أظفارهم على هضمها قاصدين بذلك قتلها وإهلاكها . ثمّ إنّ المعاني الخمسة المذكورة للهضم كلَّها مناسبة للمقام .