حبيب الله الهاشمي الخوئي
211
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأيضا ( ف ) كما أنّ راكبى السّفينة بعد ما انكسرت بالقواصف على قسمين : قسم ( منهم الغرق الوبق ) الهالك في غمار البحر ( و ) قسم ( منهم النّاجي ) من الغرق على بعض أخشاب السّفينة وألواحها ( على متون الأمواج ) المتلاطمة المتراكمة ( تحفزه ) وتدفعه ( الرّياح ) العاصفة والزّعازع القاصفة ( بأذيالها ) من جنب إلى جنب ( وتحمله على أهوالها ) وتسوقه من رفع إلى خفض ومن خفض إلى رفع . فكذلك أهل الدّنيا ينقسم إلى قسمين : أحدهما الهالك عاجلا بغمرات الآلام وطوارق الأوجاع والأسقام ، والثّاني النّاجي من الهلاك بعد مكابدة تعب الأمراض ومقاساة مرارة العلل . وأيضا ( ف ) كما أنّ ( ما غرق منها ) أي من السّفينة وأراد به الغريق من أهلها مجازا ( فليس بمستدرك ) أي ممكن التدارك ( وما نجى منها ) أي النّاجي من أهلها ( ف ) عاقبته ( إلى مهلك ) أي إلى الهلاك وإن عاش يسيرا . فكذلك أهل الدّنيا من مات منهم لا يتدارك ولا يعود ، ومن حصل له البرء والشفاء من مرضه ونجا من الموت عاجلا فماله إليه لا محالة آجلا وإن تراخى أجله قليلا . والغرض من هذه التشبيهات كلَّها التّنفير عن الدّنيا والتنبيه على قرب زوالها وتكدّر عيشها ومرارة حياتها ليرغب بذلك كلَّه إلى العمل للدّار الآخرة ، ولذلك فرّع عليه قوله : ( عباد اللَّه الان فاعملوا ) أي بادروا العمل واستقربوا الأجل ولا يغرّنّكم طول الأمل ( والألسن مطلقة ) متمكنة من التّكلم بما هو فرضها من القراءة والذكر والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ونحوها قبل ثقلها واعتقالها بالمرض الحايل بينها وبين منطقها كما في حالة الاحتضار . ( والأبدان صحيحة ) مقتدرة على الاتيان بالتكاليف الشّرعيّة قبل سقمها وعجزها منها . ( والأعضاء ) والجوارح ( لدنة ) لينة ببضاضة الشّباب وغضارة الصحّة قادرة على