حبيب الله الهاشمي الخوئي
210
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ثمّ شرع بالوصيّة بالتقوى والتّحذير من الدّنيا فقال ( أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه ) فانّها اليوم الحرز والجنّة وغدا الطريق إلى الجنّة ( وأحذّركم الدّنيا فانّها ) ظلّ زائل وضوء آفل وسناد مائل ( دار شخوص ) وارتحال ( ومحلَّة تنغيص ) وتكدير لتكدّر عيشه بالآلام والأسقام ( ساكنها ظاعن ) مرتحل ( وقاطنها بائن ) مفترق يعني انّ السّاكن فيها ليس بساكن في الحقيقة ، والمقيم بها منتقل عنها البتّة وذلك لما بيّنا في تضاعيف شرح الخطب السّابقة أنها في الحقيقة سفر الآخرة وهى الوطن الأصلي للانسان فهو من أوّل يوم خرج من بطن امّه ووضع قدمه في هذه النشأة دائما في حركة وازيال وازداف وانتقال وينقضي عمره شيئا فشيئا يبعد من المبدأ ويقرب من المنتهى فسكونها نفس زوالها ، وإقامتها نفس ارتحالها ، وبقاؤها عين انتقالها ووجودها حدوثها ، وتجدّدها فناؤها ، فانّها عند ذوى العقول كفىء الظل ، بينا تراه سابغا حتّى قلص ، وزايدا حتّى نقص . ثمّ ضرب للدّنيا وأهلها مثلا عجيبا بقوله ( تميد بأهلها ميدان السّفينة بأهلها ) حال كونها ( تقصفها ) القواصف وتصفقها ( العواصف ) من الرّياح ( في لجج البحار ) الغامرات المتلاطمة التيّار المتراكمة الزّخار ، وهو من تشبيه المركب بالمركب على حدّ قول الشاعر : وكأنّ أجرام النجوم طوالعا درر نشرن على بساط أزرق شبّه عليه السّلام الدّنيا بالسّفينة التّي في اللَّجج حال كونها تضربها الرّياح الشديدة العاصفة وشبّه أهل الدّنيا بأهل السّفينة ، وشبه تقلَّباتها بأهلها بالهموم والأحزان والغموم والمحن بميدان السفينة واضطرابها بأهلها ، وشبّه الأمراض والآلام والعلل والأسقام ونحوها من الابتلاءات الدّنيويّة الموجبة للهموم والغموم بالرّياح العاصفة الموجبة لاضطراب السّفينة ، ووجه الشّبه أنّ راكبى السّفينة في لجج البحار الغامرة عند هبوب الرّيح العاصفة والزعزع القاصفة كما لا ينفكَّون من علز القلق وغصص الجرض ، فكذلك أهل الدّنيا لا ينفكَّون من مقاسات الشدائد وألم المضض .