حبيب الله الهاشمي الخوئي
193
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والبارى سبحانه بخلاف ذلك ، لأنّه ليس بذى مزاج سبحانه ، هذا . وقوله ( ولا يجنّه البطون عن الظَّهور ) قد تقدّم منّا في شرح الخطبة التّاسعة والأربعين والخطبة الرّابعة والسّتين ما هو كاف في شرح معنى هذه الفقرة وما يتلوها من الفقرات الآتية إلى قوله : وبطن فعلن . وأقول هنا مزيدا للتّوضيح : إنّ الغرض بهذه الجملات جميعا التّنبيه على كمال الحقّ المتعال عزّ وجلّ وعلى تنزّهه من صفات المخلوقين ، فانّ البطون في الخلق مانع من الظهور ، والظهور من البطون ، والقرب من البعد ، والبعد من القرب ، والعلوّ من الدّنوّ ، والدّنوّ من العلوّ لكون كلّ من هذه الصّفات بمعناه المعروف مضادا للاخر ، فلا يمكن اتّصاف شخص واحد بهما معا في حالة واحدة ولا اجتماعهما في محلّ واحد على ما هو مقتضى التّضادّ . أمّا اللَّه الحىّ القيّوم جلّ جلاله فيتّصف بهما جميعا بمعنى آخر وراء ذلك المعنى المعروف ، فهو تعالى ظاهر باطن قريب بعيد عال دان . وعلى ذلك فلا يجنّه البطون عن الظهور ، أي لا يستره خفاؤه بذاته عن ظهوره بآياته ، أو لا يستره اختفاؤه عن الأبصار عن ظهوره للعقول والبصاير ، أو لا يحجبه خفاؤه عن الأبصار والأوهام بذاته عن قهره وغلبته للأشياء بسلطانه وقدرته . ومحصّله أنّه ليس بطونه بلطافة أو اجتنان ، ولا ظهوره برؤية وعيان حتّى يكون اتّصافه بأحدهما حاجبا ومانعا عن الاخر كما في المخلوق . وعلى ما في بعض النّسخ من رواية لا تجنّه بصيغة التّأنيث ، فالمراد أنّه لا تستره بواطن الأشياء عن ظواهرها أي لا تحجب علمه بطونها عن ظهورها ، لأنّ علمه ببواطن الأشياء ليس على وجه الاستبطان والغور فيها ، ولا علمه بظواهر الأشياء من أجل كونه فوقها حتّى تحجبه البطون عن الظَّهور والظَّهور عن البطون كما فينا . ويحتمل أن يكون المراد أنّه تعالى حين ما هو عالم بالباطن عالم بالظاهر لكمال علمه وعموم إحاطته ، وليس كالمخلوق حين علمه بأحدهما يغفل عن الاخر لنقصان علمه وقصوره .