حبيب الله الهاشمي الخوئي
194
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( و ) بذلك كلَّه ظهر أيضا معنى قوله : ( لا يقطعه الظَّهور عن البطون ) وأمّا قوله ( قرب فنأى ) فالمراد به أنّه قرب من الخلق بالعلم والإحاطة وبالرّحمة والإفاضة ، وبعد عنهم بالذّات والحقيقة وليس قربه قربا مكانيّا حتّى ينافي لبعده ، ولا بعده بعدا مكانيّا بتراخي مسافة حتّى ينافي لقربه . ( وعلا فدنا ) أي علا بحوله وقدرته وغلبته وسلطانه ودنا بطوله وفضله ومننه واحسانه كما مرّ التصريح به منه عليه السّلام في الخطبة الثّانية والثمانين ، ويجوز أن يراد علوّه على الأشياء بجلاله وعزّته ودنوّه منها بعلمه واحاطته ، وأن يراد بالعلوّ العلوّ بالعليّة وبالدّنوّ قربه من الأشياء قرب العلَّة من معلولها ، وهذا هو الأولى بالإرادة هنا وأنسب بعطفه الدّنوّ على العلوّ بالفاء المفيدة لتفريعه عليه فافهم جيّدا وقد مضى تحقيق ذلك في شرح الخطبة التّاسعة والأربعين . ( وظهر فبطن ) أي ظهر على الأشياء بسلطانه وعظمته ، وبطن في الأشياء بعلمه ومعرفته ( وبطن فعلن ) أي خفى بذاته وكنهه وظهر باثاره وآياته ، وهاتان الفقرتان تأكيدتان للفقرتين المتقدّمتين ، فانّه لمّا نبّه فيهما على عدم حجب بطونه عن ظهوره وظهوره عن بطونه نبّه هنا على ما يستلزمه عدم الحجب وهو اتّصافه بهما معا روى في الكافي في باب الفرق بين المعاني الَّتي تحت أسماء اللَّه تعالى وأسماء المخلوقين عن عليّ بن محمّد مرسلا عن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام قال : قال : وأمّا الظاهر فليس من أجل أنّه علا الأشياء بركوب فوقها وقعود عليها وتسنّم لذراها ، ولكن ذلك لقهره وغلبته الأشياء وقدرته عليها ، كقول الرّجل ظهرت على أعدائي وأظهرنى اللَّه على خصمي ، يخبر عن الفلج والغلبة فهكذا ظهور اللَّه على الأشياء ، ووجه آخر أنّه الظَّاهر لمن أراده ولا يخفى عليه شيء وأنّه مدبّر لكلّ ما برء فأىّ ظاهر أظهر وأوضح من اللَّه تبارك وتعالى ، لأنّك لا تعدم صنعته حيثما توجّهت وفيك من آثاره ما يغنيك ، والظَّاهر منّا البارز بنفسه والمعلوم بحدّه فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى .