حبيب الله الهاشمي الخوئي
192
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخاير الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام ، لأنّه الجواد الَّذى لا يغيضه سؤال السّائلين ، ولا يبخّله إلحاح الملحّين حسبما مرّ في الخطبة التّسعين . ( ولا يلويه ) أي لا يصرفه ( شخص عن شخص ولا يلهيه ) أي لا يشغله ( صوت عن صوت ) لأنّ الصّرف واللَّهو يستلزمان الغفلة عن أمر والفطنة لغيره بعد الغفلة عنه وهما من عوارض المزاج الحيواني وتوابع الامكان . ( ولا تحجزه هبة عن سلب ) أي لا يمنعه البذل والانعام عن سلب المال وأخذه قال الشّارح المعتزلي : أي ليس كالقادرين منّا فانّ الواحد منّا يصرفه اهتمامه بعطيّة عن سلب مال عمرو حال ما يكون مهتمّا بتلك العطيّة لأنّ اشتغال القلب بأحد الأمرين يشغله عن الاخر ، انتهى . أقول : ومحصّله أنّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ، ويحتمل أن يراد به أنّه تعالى لا يمنعه هبته لأحد وإنعامه عليه عن سلب نعمة أخرى عنه كالواحد منّا إذا وهب يمنعه هبته عن سلبه ، لاستلزام الهبة فينا التلطف والعطف ، واستلزام السلب فينا الغيظ والغضب ، وهما أمران متضادّ ان لا يمكن اجتماعهما في شخص واحد في حالة واحدة ، فلا يكون الواهب حال ما هو واهب سالبا وبالعكس ، وأمّا الواجب تعالى فلمّا لم يكن منشأ هبته وسلبه العطف والغضب لكونهما من عوارض المزاج الحيواني وتنزّهه عنها جاز اتّصافه بهما معا . وهذان الاحتمالان يأتيان في قوله ( ولا يشغله غضب عن رحمة ) والمراد بهما غايتهما ، أي العقاب والاحسان لا معناهما المعروف المستلزم للحدوث والنّقصان . وأمّا قوله ( ولا تولهه رحمة عن عقاب ) فقد قال الشارح المعتزلي أي لا يحدث الرّحمة لمستحقها عنده ولها وهو التحيّر والتردّد ويصرفه عن عقاب المستحقّ ، وذلك لأنّ الواحد منّا إذا رحم انسانا حدث عنده رقّة خصوصا إذا توالت منه الرّحمة لقوم متعدّدين فإنه يصير الرّحمة كالملكة عنده فلا يطيق في تلك الحال أن ينتقم