حبيب الله الهاشمي الخوئي

191

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فانّ هناك مطالب نفيسة . ولما نبّه على عدم خلوّ الأمكنة منه عزّ وجلّ أردفه بالتنبّه على عدم خلوّ الأزمنة منه فقال : ( وفي كلّ حين وزمان ) بالعلم والإحاطة أيضا لا بمعنى ظرفيّته له ، لأنّ الكون فيه بمعنى الظرفية مستلزم للحدوث المنافي للوجوب ، فالواجب الأوّل تعالى منزّه عن ذلك ، وقد تقدّم مزيد تحقيق لذلك في شرح الخطبة المأة والخامسة والثمانين ( ومع كلّ إنس وجانّ ) لا معيّة بالاقتران بل بمعنى كونه عالما بهم شاهدا عليهم غير غايب عنهم كما قال عزّ من قائل * ( « أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ ولا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » ) * وقد مرّ مزيد تحقيق لهذا المعنى في شرح الفصل الخامس والسادس من الخطبة الأولى ، هذا . ولما شوّق المخاطبين إلى الطلب والسؤال بالتنبيه على عموم علمه بحالات السائلين وحاجات الطالبين وعدم خفاء شيء منها عليه أكد تشويقهم بالتنبيه على سعة جوده فقال : ( لا يثلمه العطاء ولا ينقصه الحباء ) أي لا يوجب كثرة عطائه ومزيد حبائه خللا ونقصا في خزانة كرمه وبحر جوده ، وذلك لعدم تناهى مقدوراته . ويوضح ذلك ما في الحديث المرويّ في الكافي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : إنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول : فلو أنّ أهل سماواتي وأهل أرضي أمّلوا جميعا ثمّ أعطيت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرّة ، وكيف ينتقص ملك أنا قيّمه ، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ، ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني . وبذلك الحديث أيضا اتّضح معنى قوله ( لا يستنفده سائل ولا يستقصيه نائل ) أي لا ينفى جوده سائل وإن بلغ الغاية في طلبه وسؤاله ، وكذا لا يبلغ القصوى والغاية عطاؤه ونواله بل لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال وضحكت عنه أصداق البحار من فلزّ اللَّجين والعقيان ونثارة الدّر وحصيد المرجان ما أثّر ذلك في جوده ولا