حبيب الله الهاشمي الخوئي

190

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولمّا أمرهم بالطَّلب والسّؤال أردفه بما يشوّقهم إلى ذلك ويرغَّبهم إليه بالتّنبيه على انتهاء جميع السّؤالات والطلبات إليه وعدم رادع ومانع من وصولها إليه وهو قوله : ( فما قطعكم عنه حجاب ولا أغلق عنكم دونه باب ) يعني أنّ بابه مفتوح لمن دعاه وليس بينه وبين خلقه حجاب مانع ولا باب مغلق يمنع من الوصول إليه ومن عرض الحوائج والمقاصد عليه كساير الملوك والسّلاطين يأخذون لأنفسهم حجّابا وبوّابا ، لأنّ ذلك من أوصاف الأجسام وصفات النّقص والامكان واللَّه تعالى موصوف بالعظمة والجلال منزّه عن الحيّز والمكان فلا يتصوّر أن يكون له باب أو عنده حجاب كما أفصح عن ذلك بقوله : ( وانّه لبكلّ مكان ) بالعلم والإحاطة لا بالتحيّز والحواية ، فلا يخفى عليه شيء من حوائج السّائلين وإنّما منظره في القرب والبعد سواء ، لم يبعد منه قريب ولم يقرب منه بعيد ، ولا يحويه مكان ولا يحيط به مكان حتّى إذا كان في ذلك المكان يحجب عنه أخبار ساير الأمكنة والمكانيّات . يوضح ذلك ما رواه في الكافي باسناده عن عيسى بن يونس قال : قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد اللَّه عليه السّلام في بعض ما كان يحاوره : ذكرت اللَّه فأحلت على غايب فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد واليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم ويعلم أسرارهم ، فقال ابن أبي العوجاء أهو في كلّ مكان أليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان وخلا منه مكان فلا يدرى في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذي كان فيه ، فأما اللَّه العظيم الشأن الملك الدّيان فلا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان . وقد مرّ هذا الحديث في شرح الفصل السادس من الخطبة الأولى ومرّ تحقيق الكلام في تنزّهه سبحانه من المكان في شرح الفصل الخامس منها فليراجع ثمّة