حبيب الله الهاشمي الخوئي

15

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولكنه يمهل المؤمنين من باب اللَّطف حتّى يتوبوا ويتداركوا الذّنوب بالإنابة والاستغفار . ويمهل الظالمين ويذر الذين لا يرجون لقائه في طغيانهم يعمهون من باب الاستدراج كما قال تعالى * ( « ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ولَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » ) * هذا . ولما ذكَّرهم بأمثال الذين خلوا من قبل ونهاهم عن استبطاء وعيد اللَّه سبحانه أردفه بالتنبيه على عمدة سبب الاستحقاق القرون الخالية للطعن والعتاب واللَّعن والعقاب وهو ارتفاع الرّكن الأعظم من الاسلام أي الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من بينهم ، وغرضه بذلك تحذير المخاطبين وتنبيههم على أنهم مثلهم في استحقاق اللَّعن لارتفاع هذه الخصلة العظيمة من بينهم أيضا ولذلك أتى بالفاء التفريعيّة فقال : ( فانّ اللَّه سبحانه لم يلعن القرون الماضية ) ولم يحرمهم من رحمته الواسعة ( إلَّا لتركهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ) كما أشير إليه في قوله سبحانه * ( « لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ . كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوه لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ » ) * . قال الطبرسيّ : أخبر تعالى عما جرى على أسلافهم فقال : لعن الذين كفروا الآية ، معناه لعنوا على لسان داود فصاروا قردة وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير . قال وقال أبو جعفر الباقر عليه السّلام وأما داود فإنه لعن أهل أيلة لما اعتدوا في سبتهم وكان اعتداؤهم في زمانه فقال : اللَّهم ألبسهم اللعنة مثل الرّدا ومثل المنطقة على الحقوين ، فمسخهم اللَّه قردة ، فأمّا عيسى عليه السّلام فإنه لعن الذين أنزلت عليهم المائدة ثمّ كفروا بعد ذلك قال الطبرسيّ : وانما ذكر اللعن على لسانهما إزالة للابهام بأنّ لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من العقوبة ، ثمّ بيّن اللَّه تعالى حالهم فقال : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، أي لم يكن ينهى بعضهم بعضا ولا ينتهون أي لا يكفّون عما نهوا عنه