حبيب الله الهاشمي الخوئي
14
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
غيره استبطئوه لذلك وانما وقعوا في هذا الزّعم الفاسد . ( جهلا بأخذه وتهاونا ببطشه ويأسا من بأسه ) يعنى أنّ جهلكم بمؤاخذته الشديدة ، وتهاونكم ببطشه الناشى من تأخير وقوعه ، ويأسكم من بأسه الناشي من طول مدّة البأس صار علَّة للاستبطاء فأوجب ذلك جسارتكم على اقتراف الجرائم واقتحامكم في ورطات الآثام . كما أنّ أهل القرون الأولى قد وقعوا في الهلاك الدّائم واستحقوا العذاب الأليم أيضا من الجهالة بأخذه كما أشير إليه في الكتاب الكريم في قوله * ( « وإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ والسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ » ) * . ومن التهاون ببطشه كما حكاه سبحانه عنهم بقوله عقيب هذه الآية * ( « وبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ » ) * وبقوله * ( « ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِه يَسْتَهْزِؤُنَ » ) * . ومن اليأس من بأسه كما اخبر عنهم بقوله * ( « فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ » ) * . وأما أهل العرفان والايقان فيعرفون بنور الايمان واليقين بما أخبر به الأنبياء والمرسلين وشهد به الكتاب المكنون أنّ وعده عزّ وجلّ ووعيده واقعان لا محالة وأنّ أخذه وبطشه وبأسه وإن تأخر حقّ محقّق لا ريب فيه كما قال * ( « ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ » ) * وقال * ( « ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ . ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ » ) * . ويعلمون أنّ التأخير والامهال في العقاب لاقتضاء الحكمة الالهيّة ولو يعجّل ( 1 ) اللَّه للنّاس الشرّ استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم .
--> ( 1 ) - اقتباس من الآية في سورة يونس ( ع ) ( منه )