حبيب الله الهاشمي الخوئي

13

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( من بأس اللَّه ) وعذابه لهم ( وقوارعه ) أي دواهيه وافزاعه الَّتي كانت تقرع القلوب بشدّتها ( وأيّامه ) الَّتي انتقم اللَّه فيها من القرون الأولى . قال الطبرسيّ في قوله : وذكَّرهم بأيّام اللَّه : معناه وأمرناه ( 1 ) بأن يذكَّر قومه وقايع اللَّه في الأمم الخالية واهلاك من أهلك منهم ليحذروا ذلك . أقول : ومن تلك الأيام ما أشير إليه في قوله * ( « إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ . تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ » ) * وفي قوله * ( « فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّه كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » ) * وفي قوله * ( « وأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ » ) * . ( ووقايعه ) أي نوازله الشّديدة وعقوباته الواقعة بالعاصين المتمرّدين كما أشير إليها في قوله عزّ وجلّ * ( « فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِه فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْه حاصِباً ومِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْه الصَّيْحَةُ ومِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِه الأَرْضَ ومِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وما كانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » ) * . وغرضه عليه السّلام من التذكير بهذه الأمثال توعيد المخاطبين وتهديدهم من أن يقارفوا ما قارف أهل القرون المتقدّمة من الذّنوب والآثام ، فتنزل عليهم ما نزل بهم من البأس والعذاب ، ولذلك فرّع عليه قوله : ( فلا تستبطئوا وعيده ) أي لا تعدّوا ما أوعدكم به من العذاب بطيئا بعيدا فانّه قريب كما قال * ( « إِنَّهُمْ يَرَوْنَه بَعِيداً ونَراه قَرِيباً » ) * . ولا تبطئوا إبطاءه للعذاب طمعا منكم في أنّ إبطاءه يوجب ذهابه ، وإمهاله يوجب إهماله كما هو الغالب في وعيد غيره سبحانه ، فانّ تأخيره غالبا يوجب عدم وقوعه إمّا لحصول الغفلة والنسيان من الموعد ، أو لأنه ربّما يفوته من طلب أو يعجزه من هرب ، وأمّا اللَّه الحىّ القيّوم القهّار ذو القوّة المتين والبأس الشّديد فانّه لبالمرصاد ولا يخلف الميعاد ، والمخاطبون لما قاسوه عزّ شأنه بغيره ووعيده بوعيد

--> ( 1 ) - أي موسى المتقدّم ذكره في الآية ،