حبيب الله الهاشمي الخوئي

116

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

من النقص والحاجة ، وأمّا اللَّه الحيّ القيّوم فهو الغنىّ الكامل المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله ولم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوّف من عواقب زمان ولا استعانة على ندّ مثاور ولا شريك مكائر ولا ضدّ منافر حسبما عرفته في الخطبة الرّابعة والستّين وشرحها بما لا مزيد عليه . وهذا معنى قوله ( لأنه لا تضرّه معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه ) وقد تقدّم في شرح الخطبة المأة والخامسة والثمانين أنّ غرضه من الخلق والايجاد ومن الأمر بالطاعة والانقياد هو ايصال النفع إلى العباد وإكمالهم بالتكاليف الشرعيّة ورفعهم بالعمل بها إلى حظاير القدس ومحافل الانس . وقوله ( فقسّم بينهم معايشهم ووضعهم من الدّنيا مواضعهم ) تفريع على قوله : خلق الخلق لا تقرير وتأكيد ، لغناه المطلق كما قاله الشارح البحراني . والمراد أنه تعالى أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى وقسّم بينهم معيشتهم أي ما يعيشون به في الحياة الدّنيا من أنواع الرّزق والخير والمنافع والنعماء ، ووضع كلا منهم موضعه اللَّايق بحاله من الفقر واليسار والغنى والافتقار والسعة والاقتار على ما يقتضيه حكمته البالغة وتوجبه المصلحة الكاملة كما أشير اليه في قوله عزّ وجلّ * ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا و ) * هذا . وانما فرّع عليه السّلام هذه الجملة على ما سبق وعقّبه بها لتكون توطئة وتمهيدا بقوله ( فالمتّقون فيها هم أهل الفضايل ) يعني أنّ معايش الخلق في الدّنيا لما كانت بحسب تقسيم اللَّه سبحانه واقتضاء حكمته اقتضى العناية الإلهية والنظم الأصلح في حقّ المتّقين بمقتضى كونهم من أهل السبق والقربى أن يكون عيشهم في الدّنيا بخلاف معايش ساير الخلق ويكون حركاتهم وسكناتهم وحالاتهم وراء حالات أبناء الدّنيا ، فاتّصفوا بالفضايل النفسانية وتزيّنوا بمكارم الأخلاق ومحامد الأوصاف الَّتي فصّلها عليه السّلام بالبيان البديع والتفصيل العجيب . أولها أنّ ( منطقهم الصواب ) وهو ضدّ الخطاء يعنى أنهم لا يسكتون عما ينبغي أن يقال فيكونون مفرّطين ، ولا يقولون ما ينبغي أن يسكت عنه فيكونون مفرطين