حبيب الله الهاشمي الخوئي
108
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا اللَّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلا يحزّنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم ، فإذا مروّا باية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلَّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا باية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم ، وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى اللَّه تعالى في فكاك رقابهم . وأمّا النّهار فحلماء ، علماء ، أبرار ، أتقياء ، قد براهم الخوف برى القداح ، ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، ويقول : قد خولطوا وقد خالطهم أمر عظيم ، لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكَّي أحدهم خاف ممّا يقال له فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري وربّي أعلم منّي بنفسي ، ألَّلهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما في لين ،