حبيب الله الهاشمي الخوئي

61

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

كيف لا والموصوف به الحقّ الأوّل ربّ العالمين ، وديّان الدّين ، وخالق السّماوات والأرضين ، إله الخلق أجمعين . والواصف جامع علوم الأوّلين والآخرين ، خليفة اللَّه في الأرضين ، معلم الملائكة والنّبيّين ، أمير المؤمنين الذي بحار علومه وماثره لا ينال قعرها بغوص الأفهام وجبال فضايله ومفاخره لا يرتقى قلالها بطير العقول والأوهام . وتالي هذه الخطبة الشريفة خطبة أخرى لأبي الحسن الرّضا عليه السّلام يأتي إنشاء اللَّه ذكرها في شرح المختار المأة والثامن ( 1 ) وهي أيضا تجمع من أصول علم التوحيد ما لا يحصى كما يعرفه الناقد البصير ذو الفهم الثاقب . إذا عرفت ذلك فأقول : إنّه عليه السّلام قد وصف اللَّه الملك العلَّام في هذه الخطبة بأوصاف سلبيّة واضافيّة . أولها قوله عليه السّلام : ( ما وحّده من كيّفه ) أي من جعله مكيفا ووصفه سبحانه بالكيف فلم يجعله واحدا ولم يقل بوحدانيّته ، لكنّه تعالى واحد وتوحيده واجب لقيام الأدلة العقليّة والنقليّة عليه حسبما مرّ في تضاعيف المتن والشرح غير مرّة فتكييفه مطلقا باطل . وإنّما كان التكييف منافيا للتوحيد لأنّ الكيف بأقسامها الأربعة أعنى الكيفيات المحسوسة راسخة كانت كصفرة الذّهب وحلاوة العسل وتسمى انفعاليات أو غير راسخة كحمرة الخجل وصفرة الوجل وتسمّى انفعالات ، والكيفيّات الاستعداديّة سواء كانت استعدادا نحو الانفعال أي التهيؤ لقبول أثرها بسهولة أو سرعة كالمراضيّة واللين ، أو استعدادا نحو اللَّا انفعال أي التهيؤ للمقاومة وبطوء الانفعال كالمصحاحيّة والصّلابة ، والكيفيات النفسانيّة المختصّة بذوات الأنفس الحيوانيّة راسخة كانت وتسمّى ملكة كالعلم والشجاعة والعدالة ، أو غير راسخة وتسمّى حالا كغضب الحليم ومرض الصّحاح ، والكيفيات المختصّة بالكميّات متّصلة كانت كالاستقامة والانحناء والشكل والخلقة ، أو منفصلة كالزوجيّة والفرديّة . فهو بهذه الأقسام الثابتة له بالحصر العقلي أو الاستقرائي من أقسام العرض

--> ( 1 ) - كذا في الأصل ولعلَّه المختار المأتين والثامن « م » .