حبيب الله الهاشمي الخوئي
5
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا ، وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . وإن شئت قلت في الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمراوين ، وجعل لها السّمع الخفيّ ، وفتح لها الفم السّويّ ، وجعل لها الحسّ القويّ ، ونابين بهما تقرض ، ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزّرّاع في زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث في نزواتها ، وتقضي منه شهواتها ، وخلقها كلَّه لا يكون إصبعا مستدقّة . فتبارك اللَّه الَّذي يسجد له من في السّموات والأرض طوعا وكرها ويعفّر له خدّا ووجها ، ويلقي إليه بالطَّاعة سلما وضعفا ، ويعطي له القياد رهبة وخوفا ، فالطَّير مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الرّيش منها والنّفس ، وأرسى قوائمها على النّدى واليبس ، وقدّر أقواتها ، وأحصى أجناسها ، فهذا غراب ، وهذا عقاب ، وهذا حمام ، وهذا نعام ، دعا كلّ طائر باسمه ، وكفل له برزقه ، وأنشأ السّحاب الثّقال فأهطل ديمها ، وعدّد قسمها ، فبلّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جدوبها .