حبيب الله الهاشمي الخوئي
49
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وظنّ بعض النّاس أنّ النعامة متولَّدة من جمل وطاير ، وهذا لا يصحّ ، ومن أعاجيبها أنّها تضع بيضها طولا بحيث لو مدّ عليها خيط لاشتمل على قدر بيضها ولم تجد لشيء منه خروجا عن الاخر ، ثمّ إنّها تعطى كلّ بيضة منه نصيبها من الحضن إذ كان كلّ بدنها لا يشتمل على عدد بيضها ، وهي تخرج لعدم الطعم ، فان وجدت بيض نعامة أخرى تحضنه وتنسى بيضها . ولعلَّها ان تصاد فلا ترجع إليه ولهذا توصف بالحمق ويضرب بها المثل قال الشاعر : فاني وتركي ندى الأكرمين وقد حي بكفّى زنادا شحاحا كتاركة بيضها بالعراء وملبسة بيض أخرى جناحا قال الدّميري : والنعام من الحيوان الذي يعاقب الذكر الأنثى في الحضن وكل ذي رجلين إذا انكسرت له إحداهما استعان بالأخرى في نهوضه وحركته ما خلا النعامة فإنها تبقى في مكانها جاثمة حتّى تهلك جوعا قال الشاعر : إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد على أختها نهضا ولا باستها حبوا وليس للنعام حاسة السمع ولكن له شمّ بليغ ، فهو يدرك بأنفه ما يحتاج فيه إلى السمع ، فربما شم رائحة القناص من بعد ، ولذلك تقول العرب : هو أشم من النعامة قال ابن خالويه : ليس في الدّنيا حيوان لا يسمع ولا يشرب الماء أبدا إلَّا النعام ولا مخّ له ومتى رميت رجل واحدة له لم ينتفع بالباقية ، والضبّ أيضا لا يشرب ولكنه يسمع ، ومن حمقها أنها إذا أدركها القناص أدخل رأسها في كثيب رمل تقدّر أنها قد استخفت منه ، وهو قوية الصّبر على ترك الماء وأشدّ ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح ، وكلَّما اشتدّ عصوفها كانت أشدّ عدوا ، وتبتلع العظم الصلب والحجر والمدر والحديد فتذيبه وتميعه كالماء . قال الجاحظ : من زعم أنّ جوف النعام يذيب الحجارة لفرط الحرارة فقد أخطأ ولكن لا بدّ مع الحرارة من غرائز آخر بدليل أنّ القدر يوقد عليها الأيام ولا تذيب الحجارة ، وكما أنّ جوفي الكلب والذئب يذيبان العظم ولا يذيبان نوى التمر ، وكما أنّ الإبل تأكل الشوك وتقتصر عليه وإن كان شديدا كالسّمر وهو شجر أمّ غيلان وتلقيه