حبيب الله الهاشمي الخوئي

42

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وهو إما حالك السّواد شديد الاحتراق ، ويكون مثله في النّاس الزنج فانّهم شرار الخلق تركيبا ومزاجا كمن بردت بلاده ولم تنضجه الأرحام أو سخنت بلاده فأحرقته الأرحام ، وإنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول وكمالهم فوق الكمال لأجل ما فيها من الاعتدال ، فالغراب الشديد السّواد ليس له معرفة ولا كمال . والغراب الأبقع كثير المعرفة وهو اللئيم من الأسود . وغراب البين الأبقع قال الجوهري : هو الذي فيه سواد وبياض ، وقال صاحب المجالسة : سمّي الغراب البين لأنه بان عن نوح عليه السّلام لما وجّهه لينظر إلى الماء فذهب ولم يرجع ، ولذلك تشأموا به . وقال صاحب منطق الطير : الغربان جنس من الأجناس التي امر بقتلها في الحلّ والحرم من الفواسق ، اشتقّ لها ذلك الاسم من اسم إبليس لما يتعاطاه من الفساد الذي هو شأن إبليس ، واشتقّ ذلك أيضا لكلّ شيء اشتدّ أذاه ، وأصل الفسق الخروج عن الشيء ، وفي الشرع الخروج عن الطاعة . وقال الجاحظ : غراب البين نوعان : أحدهما غراب صغير معروف باللَّوم والضعف وأمّا الاخر فانّه ينزل في دور النّاس ويقع على مواضع اقامتهم إذا ارتحلوا عنها وبانوا منها ، فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلَّا عند بينونتهم عن منازلهم اشتقّوا له هذا الاسم من البينونة . وقال المقدسي : هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب وينعق بين الحلال « الخلَّان » والأحباب ، وإذا رأى شملا مجتمعا انذر بشتاته ، وإن شاهد ربعا عامرا بشّر بخرابه ودروس عرصاته ، يعرّف النازل والساكن بخراب الدّور والمساكن ، ويحذّر الاكل غصّة الماكل ، ويبشّر الراحل بقرب المراحل ، ينعق بصوت فيه تحزين ، كما يصيح المعلن بالتأذين ، وأنشد على لسان حاله : أنوح على ذهاب العمر منّى وحق أن أنوح وأن أنادى وأنذر كلَّما عاينت ركبا حدا بهم لو شك البين حادي