حبيب الله الهاشمي الخوئي

36

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ألم ترنا نهدى إلى اللَّه ماله وإن كان عنه ذاغني فهو قابله ولو كان يهدى للجليل بقدره لقصر عنه البحر حين يساجله ولكنّنا نهدى إلى من نحبّه فيرضى بها عنّا ويشكر فاعله وما ذاك إلَّا من كريم فعاله وإلَّا فما في ملكنا من يشاكله فقال سليمان عليه السّلام : بارك اللَّه فيكم فهو بتلك الدعوة أكثر خلق اللَّه ، انتهى ما أهمّنا نقله من كتاب حيوة الحيوان . أقول : ومن عجيب قصّة النمل ما جرى له مع سليمان عليه السّلام وقد اخبر به سبحانه في كتابه العزيز قال تعالى في سورة النمل * ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُه ُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا . النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُه ُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاه ُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) * . قال الطبرسيّ « أتوا على واد النمل » هو واد بالطايف وقيل بالشام « قالت نملة » أي صاحت بصوت خلق اللَّه لها ، ولما كان الصوت مفهوما لسليمان عبّر عنه بالقول ، وقيل : كانت رئيسة النّمل « لا يحطمنّكم » أي لا يسكرنّكم « سليمان وجنوده وهم لا يشعرون » بحطمكم أو وطئكم فإنهم لو علموا بمكانكم لم يطئوكم . وهذا يدلّ على أنّ سليمان وجنوده كان ركبانا ومشاة على الأرض ولم تحملهم الريح ، لأنّ الريح لو حملتهم بين السّماء والأرض لما خافت النملة أن يطئوها بأرجلهم ولعلّ هذه القصّة كانت قبل تسخير اللَّه الريح لسليمان عليه السّلام . فان قيل : كيف عرفت النّملة سليمان وجنوده حتّى قالت هذه المقالة قلنا : إذا كانت مأمورة بطاعته فلا بدّ وأن يخلق اللَّه لها من الفهم ما تعرف به أمور طاعته ، ولا يمتنع أن يكون لها من الفهم ما تستدرك به ذلك وقيل : إنّ ذلك كان منها على سبيل المعجز . « فتبسّم ضاحكا من قولها » وسبب ضحكه التعجب لأنّه رأى ما لا عهد له به