حبيب الله الهاشمي الخوئي
347
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الاستكبار ، ولامنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النيّات مشتركة والحسنة مقتسمة . ولكن اللَّه أراد أن يكون الاتّباع لرسله ، والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره والاستسلام اليه أمور له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة ، وكلّ ما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل . ألا ترون أنّ اللَّه جلّ ثناؤه اختبر الأوّلين من لدن آدم عليه السّلام إلى آخرين من هذا العالم بأحجار ما تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للنّاس قياما ، ثمّ جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقلّ نتايق الدّنيا مدرا ، وأضيق بطون الأودية معاشا ، وأغلظ محالّ المسلمين مياها بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، واتر من مواضع قطر السماء ، واتر [ داثر كذا في كا ] ليس يزكو به خف ولا ظلف ولا حافر . ثم أمر آدم عليه السّلام وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار متّصلة وجزائر بحار منقطعة ، ومهاوى فجاج عميقة ، حتى يهزّوا مناكبهم ذللا للَّه حوله ، ويرملوا على اقدامهم شعثا غبرا ، قد نبذوا القنع والسرابيل وراء ظهورهم ، وحسروا بالشعور حلقا عن رؤوسهم ، ابتلاءاً عظيما ، واختبارا كبيرا ، وامتحانا شديدا ، وتمحيصا بليغا ، وفتونا مبينا ، جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة ووسيلة إلى جنّته . وعلَّة لمغفرته ، وابتلاءاً للخلق برحمته . ولو كان اللَّه تبارك وتعالى وضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنّات وأنهار ، وسهل قرار ، جم الأشجار ، دانى الثمار ، ملتفّ النبات ، متّصل القرى ، من برّة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص معذقة ، وزروع ناضرة ، وطرق عامرة ، وحدائق كثيرة ، لكان قد صغر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ثمّ لو كانت الأساس المحمول عليها ، أو الأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء وياقوتة حمراء ، ونور وضياء لخفّف ذلك مصارعة الشك في الصّدور ، ولوضع