حبيب الله الهاشمي الخوئي

338

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

القسوة وتذهب الفطنة وتزيل الرقة وتستلزم رذايل كثيرة لا دواء لها إلَّا الخصاصة ، هذا . وقوله ( ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام وعزّة لا تضام ) قياس اقتراني آخر من الشكل الأوّل أيضا تأكيد للقياس المتقدّم ذكره ، أي لو أراد اللَّه بالأنبياء إذ بعثهم أن يكونوا أهل قوّة وقدرة لا يمكن أن تطلب وتقصد لبلوغها الغاية وأهل عزّة وقهر وغلبة لا يمكن أن تنتقص أو تظلم أي يظلم صاحبها لانتهائها النهاية . ( و ) أهل ( ملك ) وسلطنة ( تمتدّ نحوه أعناق الرجال وتشدّ إليه عقد الرّحال ) أي يأمله الاملون ، ويرجوه الراجون فانّ كلّ من أمل شيئا لا سيّما إذا كان ملكا عظيما يطمح إليه بصره ويسافر برغبته إليه ويحيط مطايا الآمال عنده ، فكنّى عن ذلك بمدّ العنق وشدّ عقد الرّحال . والحاصل أنّ الأنبياء لو بعثوا بالقدرة والقوّة والملك والسلطنة ( لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ) أي أسهل في اعتبارهم بحالهم وأسرع في إجابتهم لدعوتهم كما هو المشاهد بالتجربة ، فانّ الملوك لا تصعب اجابتهم كما تصعب إجابة الفقراء لا سيّما على المتكبّرين المتجبّرين ( وأبعد لهم في الاستكبار ) لأنّ الملوك أبعد من أن يتكبّر عليهم ويستنكف من طاعتهم بخلاف البائس الفقير . ( ولامنوا عن رهبة قاهرة لهم ) على الايمان ( أو رغبة مائلة بهم ) إليه ( فكانت النيّات ) إذا ( مشتركة ) بين اللَّه وبين ما يأملونه من الشهوات ، غير خالصة له تعالى من هوى الأنفس كما قال * ( « أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ » ) * . ( والحسنات مقتسمة ) بينه تعالى وبين تلك الشهوات ( ولكنّ اللَّه سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله ) وأنبيائه ( والتصديق بكنبه ) وصحفه السماوية ( والخشوع لوجهه ) والخنوع لذاته ( والاستكانة ) والتمكين ( لأمره والاستسلام ) والانقياد ( لطاعته أمورا له خاصة ) أي مختصّة به ممحّضة له كما قال * ( « وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَه ُ الدِّينَ » ) * ( لا يشوبها ) أي تلك الأمور ( من غيرها شائبة ) رغبة أو رهبة . وانما أراد عزّ وجل اختصاص هذه الأمور له وخلوصها من شوب الرغبة والرهبة لعظم البلوى والامتحان حينئذ ( وكلَّما كانت البلوى والاختبار أعظم كانت المثوبة