حبيب الله الهاشمي الخوئي
339
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والجزاء أجزل ) هذا . ولما نبّه عليه السّلام على وجه الحكمة والمصلحة في بعث الأنبياء بالخصاصة والمسكنة ، وأنّ الوجه في ذلك هو الامتحان والابتلاء ليترتّب على اتّباعهم عظيم الأجر وجزيل الجزاء ، أردفه بالتّنبيه على حكمة وضع البيت الحرام بأوعر البقاع وأقفر البلدان فقال : ( ألا ترون أنّ اللَّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم عليه السّلام إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار ) بنى بها البيت ( لا تضرّ ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ) هذا باعتبار مجموع الأحجار أو بملاحظته في نظر الخلق فلا ينافي ما مرّ في شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الأولى من أنّ حجر الأسود أوّل ملك آمن وأقرّ بالتوحيد والنّبوة والولاية وأنّه يجيء يوم القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة يشهد لكلّ من وافاه إلى ذلك وحفظ الميثاق . ( فجعلها بيته الحرام ) ووصفه به لأنّه حرام على المشركين دخوله وحرام إخراج من تحصّن به منه حسبما عرفت في شرح الخطبة الأولى . قال الرّماني : وإنّما سمّي به لأنّ اللَّه حرّم أن يصاد عنده وأن يعضد شجره ، ولأنّه أعظم حرمة . قال في مجمع البيان : وفي الحديث مكتوب في أسفل المقام إنّي أنا اللَّه ذو بكَّة حرّمتها يوم خلقت السماوات والأرض ويوم وضعت هذين الجبلين ، وحففتها بسبعة أملاك حفا ، من جاءني زائرا لهذا البيت عارفا بحقّه مذعنا بالربوبيّة حرّمت جسده على النار . ( الَّذى جعله للنّاس قياما ) أي مقيما لأحوالهم في الدّنيا والآخرة ويستقيم به أمورهم الدنيويّة والاخرويّة يقال : فلان قيام أهله أي يستقيم به شؤونهم قال سبحانه * ( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) * أي لمعايشهم ومكاسبهم يستقيم به أمور دينهم ودنياهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ويربح عنده التّجار باجتماعهم عنده من ساير الأطراف ، ويغفر بقصده للمذنب ويفوز حاجّه بالمثوبات .