حبيب الله الهاشمي الخوئي
313
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
* ( رَبُّكَ ما فَعَلُوه ُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ . وَلِتَصْغى إِلَيْه ِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْه ُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) * . قال الطبرسي في تفسير الكلبي عن ابن عبّاس إنّ إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الانس وفريقا إلى الجنّ فشياطين الجنّ والانس أعداء الرسل والمؤمنين ، فيلتقي شياطين الانس وشياطين الجنّ في كلّ حين فيقول بعضهم لبعض : أضللت صاحبي بكذا فأضلّ صاحبك بمثلها ، فذلك وحى بعضهم إلى بعض . وروى عن أبي جعفر عليه السّلام أيضا أنّه قال : إنّ الشياطين يلقي بعضهم بعضا فيلقي إليه بالغوى « ما يغوى ظ » به الخلق حتّى يتعلَّم بعضهم من بعض . قال الطبرسي : يوحى بعضهم إلى بعض أي يوسوس ويلقى خفية زخرف القول أي المموّه المزين الذي يستحسن ظاهره ولا حقيقة له ولا أصل وقوله ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ، أي لتميل إلى هذا الوحي بزخرف القول أو إلى هذا القول المزخرف قلوب الذين لا يؤمنون . فقد ظهر بذلك أنّ الأدعياء الذين اتّخذهم إبليس مطايا ضلال وجنودا وتراجمة له هم عبارة عن شياطين الانس ، فينطق إبليس بلسانهم بزخرف القول وتميل إليه أفئدة الناس فتسترق بذلك عقولهم ويقترفون أي يكتسبون ما هم مكتسبون من الجرائم والآثام . وبذلك أيضا يظهر معنى قوله ( ودخولا في عيونكم ) لأنّه يزيّن بتوسّط أتباعه وشياطينه من الانس المعاصي في نظر الناس ، ويموّه بزخرف قوله زينة الحياة الدّنيا في أعينهم فيصرفهم عن النظر إلى آيات اللَّه ، وهذا معنى الدّخول في العيون . وبه ظهر أيضا معنى قوله ( ونفثا في أسماعكم ) لأنّه يلقى إليهم بوساطة أوليائه زخرف القول فيستمعون إلى لغو حديثه ولا يستمعون إلى آيات اللَّه التي إذا تليت عليهم زادتهم ايمانا . وقوله ( فجعلكم مرمى نبله وموطأ قدمه ومأخذ يده ) تفريع على ما سبق