حبيب الله الهاشمي الخوئي

312

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

في السير إلى الضلال ، وإنما شبّههم بالمطايا لأنّ المطية حين تركب صارت منقادة لراكبها يسوقها حيث أراد ، فهؤلاء لما أعطوا قيادهم لإبليس يقصد بهم نحو الضّلال ذللا ويسوقهم إليه جعلهم مطايا له . ( وجندا بهم يصول على الناس ) أي أعوانا له كما قال تعالى * ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * بهم يستطيل على الناس ليصرفهم عن طاعة الرّب إلى طاعته . ( وتراجمة ينطق على ألسنتهم ) وإنما جعلهم ترجمانا له لأنّ أقوالهم كأفعالهم لما كانت صادرة عن إغواء إبليس ووسوسته تابعة لرضاه كان أحكامهم أحكامه ، وكلامهم كلامه ، ونطقهم نطقه ، فصار ما يصدر عن ألسنتهم ترجمة لقوله وصاروا بمنزلة الترجمان له . وهذا الكلام نظير ما تقدّم منه عليه السّلام في الخطبة السابعة من قوله : اتّخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا واتّخذهم له أشراكا ، فباض وفرخ في صدورهم ودبّ ودرج في حجورهم ، فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم اه . وعلَّل نطقه على ألسنتهم بقوله ( استراقا لعقولكم ) أي لأجل سرقة عقولكم شيئا فشيئا وهو كناية عن إغفاله لهم بأقواله الكاذبة عن ذكر الحقّ والآخرة وترغيبهم إلى الباطل كما قال تعالى * ( وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ . خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ ) * فانّ وعده قد يكون بالخواطر الفاسدة ، وقد يكون بلسان أوليائه كما أشير إليه في قوله * ( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) * . روى عن عليّ بن إبراهيم القمىّ عن الصّادق عليه السّلام في هذه الآية قال : ما من قلب إلَّا وله اذنان : على إحداهما ملك مرشد وعلى الأخرى شيطان مغتر ، هذا يأمره وهذا يزجره كذلك من النّاس شيطان يحمل النّاس على المعاصي كما يحمل الشيطان من الجنّ . وأصرح من الآيتين ايضاحا للمرام قوله سبحانه * ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ ) *