حبيب الله الهاشمي الخوئي

277

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وقد يجمع بينهما بأنّ الآيتين المتقدّمتين محمولتان على مدة يوم القيامة والآية الأخيرة أريد بها بيان مدّة الدّنيا ، يعني أنّ أوّل نزول الملائكة في الدّنيا وأمره ونهيه وقضائه بين الخلايق إلى آخر عروجهم إلى السّماء وهو يوم القيامة خمسون ألف سنة ، فيكون مقدار الدّنيا هذه المدّة لا يدرى كم مضى وكم بقي وإنّما يعلمها اللَّه سبحانه . فان قلت : هذان الوجهان وإن كان يرفع بها التنافي بين الآيات إلَّا أنّه على البناء على الوجه الأول لا يبقى في الآيتين دلالة على كون مقدار يوم الآخرة ألف سنة كما هو المقصود ، وعلى الثاني فدلالتهما مسلمة لكنه ينافي ما ذكرتم في الآية الثالثة من أنّ المراد بها بيان مدّة الدّنيا ما رواه في الكافي عن الصّادق عليه السّلام إنّ للقيامة خمسين موقفا كلّ موقف مقام ألف سنة ثمّ تلا * ( » تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه ِ فِي يَوْمٍ « ) * فانّ هذه الرواية كما ترى تدلّ على أنّ مقدار القيامة خمسون ألفا ، وأنّ الآية ناظرة إلى ذلك . قلت : يمكن الجواب عنه بما أجاب به الطبرسىّ حيث قال بعد ما روى عن ابن عباس كون مقدار يوم القيامة ألف سنة ، فأمّا قوله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، فإنه أراد سبحانه على الكافر جعل اللَّه ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة ، فانّ المقامات في يوم القيامة مختلفة ، انتهى . يريد أنّه يطول ذلك اليوم في نظر الكافر هذه المدّة لشدّة عذابه ، وأمّا في حقّ المؤمن فلا . ويرشد إليه ما رواه الطبرسي عن أبي سعيد الخدري قال : قيل : يا رسول اللَّه ما أطول هذا اليوم فقال : والذي نفس محمّد بيده إنه ليخفّ على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصلَّيها في الدّنيا . وهذا كما يقال في المثل : أيّام السرور قصار وأيّام الهموم طوال ، ويقال أيضا سنة الفراق سنة وسنة الوصال سنة ، قال الشاعر : يطول اليوم لا ألقاك فيه وحول نلتقى فيه قصير