حبيب الله الهاشمي الخوئي

26

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

* ( إِلَّا يَظُنُّونَ ) * . وروى في الصّافي من الكافي عن الصّادق عليه السّلام في حديث وجوه الكفر قال عليه السّلام : فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالرّبوبيّة وهو قول من يقول : لا ربّ ولا جنّة ولا نار ، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدّهرية وهم الَّذين يقولون وما يهلكنا إلَّا الدّهر وهو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان عنهم على غير تثبّت منهم ولا تحقيق لشيء مما يقولون قال اللَّه عزّ وجلّ * ( « وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا » ) * إنّ ذلك كما يقولون . قال الفخر الرازي : وأما شبهتهم في انكار الإله الفاعل المختار فهو قولهم * ( « وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ » ) * يعني تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاج الطبايع وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاصّ حصلت الحياة ، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت ، فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطبايع وحركات الأفلاك ، ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار ، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإله وبين إنكار البعث والقيامة ثمّ قال تعالى * ( « وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ » ) * . والمعنى أنّ قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمة ، فالذي قالوه يحتمل وضدّه أيضا يحتمل ، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقا والقول بوجود الإله الحكيم حقّا فانّهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قويّة في أنّ هذا الاحتمال الثاني باطل ، ولكنه خطر ببالهم هذا الاحتمال الأوّل فجزموا به وأصرّوا عليه من غير حجّة ولا بيّنة ، فثبت أنّهم ليس لهم علم ولا جزم ولا يقين في صحّة القول الَّذي اختاروه بسبب الظنّ والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب وحجّة ودليل ، هذا ولما دعا عليه السّلام على الجاحدين بالويل والثبور زيف قولهم بعدم استناده إلى حجّة وبيّنة ولو كانت ضعيفة هيّنة ، عاد إلى تقريعهم وتوبيخهم بإقامة البرهان المحكم والدلالة الواضحة على بطلان قولهم وفساد به منهم فقال على سبيل الاستفهام بقصد الإنكار والإبطال :