حبيب الله الهاشمي الخوئي
244
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فيتولَّد من هذا الدّم فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ أحدهما شبيهة بالدّردى والعكر وهو الخلط السّوداوى ، والأخرى شبيهة بالرغوة وهي الصّفراء ، ولو لم تفصل عنه فضلتان فسد مزاج الأعضاء . فخلق اللَّه المرارة والطحال وجعل لكلّ منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في تجويفه فتجذب المرارة الفضلة الصّفراوية ، ويجذب الطحال العكر السّوداوي فيبقي الدّم صافيا ليس فيه إلَّا زيادة رطوبة ورقة . فخلق اللَّه سبحانه الكليتين وأخرج من كلّ منهما عنقا طويلا إلى الكبد ومن عجائب حكمة اللَّه تعالى أنّ عنقها ليس داخلا في تجويف الكبد بل متصل بالعروق الطالعة من حدبة الكبد حتّى يجذب ما يليها بعد الطلوع من العروق الدّقيقة التي في الكبد ، إذ لو اجتذب قبل ذلك لغلظ ولم يخرج من العروق ، فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدّم صافيا من الفضلات الثلاث نقيّا من كلّ ما يفسد الغذاء . ثمّ إنّ اللَّه اطلع من الكبد عروقا ، ثمّ قسّمها بعد الطلوع أقساما ، وشعّب كلّ قسم بشعب ، وانتشر ذلك في البدن كلَّه من الفرق إلى القدم ظاهرا وباطنا فيجري الدّم الصافي فيها ويصل إلى أجزاء البدن تماما . ولو حلَّت بالمرارة آفة فلم تجذب الفضلة الصّفراويّة فسد الدّم وحصل منه الأمراض الصفراويّة كاليرقان والبثور والحمرة . وإن حلَّت بالطحال آفة فلم يجذب الخلط السّوداوي حدثت الأمراض السّوداوية كالبهق والجذام والماليخوليا وغيرها . وان لم تندفع المائية نحو الكلى حدث منه الاستسقاء وغيره . ثمّ انظر إلى بديع حكمته سبحانه كيف رتّب المنافع على هذه الفضلات الثلاث الخسيسة . أمّا المرارة فانّها تجذب بأحد عنقيها وتقذف بالعنق الاخر إلى الأمعاء ليحصل له في ثفل الطعام رطوبة زلقة ويحصل في الأمعاء لذع يحرّكها للدّفع فتنضغط حتّى يندفع الثفل وينزلق ويكون صفرته لذلك .