حبيب الله الهاشمي الخوئي
235
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وتسبيحه مع أنّها ليست باحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالما قادرا متكلما كونه حيّا وذلك جهل وكفر لأنّ من المعلوم بالضرورة أنّ من ليس بحىّ لم يكن عالما قادرا ، انتهى ومحصل دليله أمران أحدهما أنّ التسبيح القالى مستلزم للعلم والفهم والادراك وهو في حقّ الجماد محال وثانيهما أنه لو كان متكلَّما لانسدّ باب الاستدلال على حياة اللَّه سبحانه بالتقريب الَّذى ذكره . ويتوجه على دليله الأول أنه إن أراد الاستحالة العقلية فممنوعة وإن أراد الاستحالة العادية فلا تثبت المدّعى ولا تفيد الامتناع ، والشاهد على ذلك قوله سبحانه في سورة سبا * ( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَه ُ ) * أي رجعي معه التسبيح قال عليّ بن إبراهيم القميّ أي سبّحي للَّه وقال : كان داود إذا مرّ بالبراري يقرأ الزبور وتسبّح الطير معه والوحوش ، وقال الرازي قوله « يا جبال أوّ بي معه » قال الزمخشري يا جبال بدل من قوله فضلا معناه وآتيناه فضلا قولنا يا جبال أو من آتينا ومعناه قلنا يا جبال أوّبى ، انتهى . فنقول إذا جاز تعلَّق خطابه سبحانه على الجبال بالتأويب تفضّلا منه على داود فيجوز تعلَّق خطابه عليها في غير هذا المقام أيضا ، وبعبارة أخرى إذا كان الجبال قابلة للخطاب هناك كانت قابلة له مطلقا غاية الأمر أنّ تأويبها مع داود عليه السّلام كان ظاهرا يسمعه كلّ من حضر لإعجاز داود عليه السّلام نظير تسبيح الحصى في يد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، وفى ساير المقامات كان خفيّا لا يسمعه الناس كما قال تعالى * ( وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) * . وأوضح من ذلك دلالة قوله تعالى في سورة ص * ( اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ . ذَا الأَيْدِ إِنَّه ُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه ُ . يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْراقِ وَالطَّيْرَ ) * فانّ الآية السّابقة أفادت تعلَّق خطابه سبحانه على الجبال بالتسبيح ، وهذه الآية دلَّت على قبولها لذلك الخطاب ونصّت بأنّها يسبّحن بالرواح والصباح وأنّ الطير شاركتها في التسبيح وأنّ كلَّا منها أوّاب له أي رجّاع إلى ما يريد