حبيب الله الهاشمي الخوئي

236

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

مطيع له بالتسبيح . والعجب أنّ الجبائي مع إنكاره لعرفان الهدهد باللَّه حسبما حكينا عنه في تفسير آية النّمل قال في تفسير هذه الآية : ولا يمتنع أن يكون اللَّه خلق في الطيور من المعارف ما يفهم به أمر داود ونهيه فتطيعه فيما يريده منها وإن لم تكن كاملة العقل مكلَّفة . وقال الفخر الرازي : قوله و * ( « سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه ُ » ) * الآية إنّ اللَّه سبحانه خلق في جسم الجبال حياة وعقلا وقدرة ومنطقا وحينئذ صار الجبل مسبّحا للَّه وقوله « يسبّحن » يدلّ على حدوث التسبيح من الجبال شيئا فشيئا وحالا بعد حال ، وكان السامع محاضر تلك الجبال يسمعها تسبّح وقوله * ( « وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً » ) * معطوفة على الجبال ، والتقدير وسخّرنا الطير محشورة قال ابن عبّاس : كان داود إذا سبّح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبّحت معه ، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون حاشرها هو اللَّه سبحانه . ثم قال الرازي : فان قيل كيف يصدر تسبيح اللَّه عن الطير مع أنّه لا عقل لها قلنا لا يبعد أن يقال : إنّ اللَّه كان يخلق لها عقلا حتّى يعرف اللَّه فيسبّحه حينئذ وكلّ ذلك كان معجزة لداود عليه السّلام وقوله « كلّ له أوّاب » معناه كلّ واحد من الجبال والطير أوّاب أي رجّاع ، أي كلَّما رجع داود إلى التسبيح فهذه الأشياء أيضا كانت ترجع إلى تسبيحاتها ، والفرق بين هذه الصّفة وبين ما قبلها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبّحت مع تسبيح داود ، وبهذا اللَّفظ فهمنا دوام تلك الموافقة ، انتهى كلامه هبط مقامه . فقد ظهر بذلك أنّه معترف بتسبيح الجبال والطيور مقرّ بأنه لا يبعد إفاضة اللَّه إليها عقلا فتعرف اللَّه وتسبّح غاية الأمر أنّه يقول إنّ ذلك كلَّه كان معجزة لداود عليه السّلام . ويتوجّه عليه أنّه إذا لم يستبعد أن يفيض اللَّه إليها عقلا فيأمرها بالتسبيح لغرض الاعجاز فأىّ بعد في إفاضة العقل إليها وأمرها بالتسبيح لا لذلك الغرض بل لمصالح اخر اقتضت ذلك ، وهذا يهدم مادّة الاستحالة الَّتي ادّعاها ، فافهم جيّدا واغتنم