حبيب الله الهاشمي الخوئي
23
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يعني أنّ كلا من الأجسام والأشياء صغيرا كان أو كبيرا فتفصيل جسمه وخلقته وهيئته تفصيل دقيق واختلاف أشكالها وصورها وألوانها ومقاديرها اختلاف غامض السّبب ، فلا بدّ للكلّ من مدبّر حكيم خصّصه بذلك التفصيل والاختلاف على اقتضاء التدبير والحكمة ، فثبت بذلك أنّها لا تفاوت فيها بين الصّغر والكبر في الافتقار إلى الصّانع المدبّر . وأكَّد ذلك الغرض بقوله ( وما الجليل واللَّطيف ) كالنخلة والنملة ( والثقيل والخفيف ) كالتراب والسحاب ( والقوىّ والضعيف ) كالفيلة والسخلة ( في خلقه إلَّا سواء ) لاستواء نسبة قدرته التي هي عين ذاته إليها . والغرض بذلك دفع استبعاد نسبة الخلقة العظيمة والخلقة الصّغيرة إلى صانع واحد ، ووجه الدفع أنّ المخلوقات وإن اختلفت من حيث الطبايع والهيات والأشكال والمقادير صغرا وكبرا وثقلا وخفّة وضعفا وقوّة إلَّا أنّها لا اختلاف فيها من حيث النسبة إلى القدرة الكاملة للفاعل المختار . ( وكذلك السماء والهواء والرياح والماء ) على اختلاف هيئاتها وهيئاتها وتباينها وتضادها مشابهة للأمور السابقة ، مستوية لها من حيث الانتساب إلى القدرة . ( فانظر إلى الشّمس والقمر والنّبات والشجر والماء والحجر واختلاف هذا اللَّيل والنّهار وتفجّر هذه البحار وكثرة هذه الجبال وطول هذه القلال وتفرّق هذه اللَّغات والألسن المختلفات . ) لا يخفى ما في هذه الفقرة وسابقتيها من الرقة والسّلاسة واللَّطافة من حيث اللَّفظ والعبارة ، حيث تضمنت سياقة الاعداد مع مراعاة التطبيق والازدواج وملاحظة الأسجاع ، وأمّا من حيث المعنى فالمراد بها الأمر بالتدبّر فيما أودع في هذه الأشياء من غرايب الصنعة ولطايف الحكمة وبراهين القدرة والعظمة حسبما عرفت نبذا منها في شرح الفصل الرابع والسادس من المختار التسعين فانظر ما ذا ترى . وقال الشارح المعتزلي : المراد بها الاستدلال بامكان الاعراض على ثبوت الصّانع ، بأن يقال كلّ جسم يقبل لجسميته المشتركة بينه وبين ساير الأجسام ما يقبله غيره من الأجسام ، فإذا اختلف الأجسام في الاعراض فلا بد من مخصّص وهو الصّانع الحكيم .