حبيب الله الهاشمي الخوئي

24

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وقرّره الشارح البحراني بتقرير أوضح وهو أنّ هذه الأجسام كلَّها مشتركة في الجسميّة واختصاص كلّ منها بما يميّز به من الصّفات المتعدّدة ليست للجسميّة ولوازمها ، وإلَّا وجب لكلّ منها ما وجب للاخر ، ضرورة اشتراكها في علَّة الاختصاص فلا مميّز له هذا خلف ، ولا لشيء من عوارض الجسمية لأنّ الكلام في اختصاص كلّ منها بذلك العارض كالكلام في الأوّل ويلزم التسلسل ، فيبقى أن يكون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحكيم المخصص لكل منها بحدّ من الحكمة والمصلحة . أقول : وقد أشير إلى هذا الاستدلال في قوله عزّ وجلّ * ( وَمِنْ آياتِه ِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ . وَمِنْ . آياتِه ِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِه ِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ . وَمِنْ آياتِه ِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِه ِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » ) * . قال الطبرسيّ : أي من دلالاته على وحدانيّته وكمال قدرته * ( خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * وما فيهما من عجايب خلقه وبدايع صنعه مثل ما في السّموات من النجوم والشمس والقمر وجريها في مجاريها على غاية الاتّساق والنظام ، وما في الأرض من الجماد والنبات والحيوان المخلوقة على وجه الاحكام . * ( « وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ » ) * الألسنة جمع لسان واختلافها هو أن ينشأها اللَّه مختلفة في الشّكل والهيئة والتركيب فيختلف نغماتها وأصواتها حتّى أنّه لا يشتبه صوتان من نفسين هما اخوان ، وقيل : إنّ اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربيّة والعجميّة وغيرهما ، ولا شيء من الحيوانات يتفاوت لغاتها كتفاوت لغات الانسان فان كانت اللَّغات توقيفيّا من قبل اللَّه فهو الذي فعلها ، وإن كانت مواضعة من قبل العباد فهو الذي يسرها . * ( « وَأَلْوانِكُمْ » ) * أي واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والصّفرة والسّمرة وغيرها فلا يشبه أحد أحدا مع التشاكل في الخلقة ، وما ذلك إلَّا للتراكيب البديعة واللَّطائف العجيبة الدالَّة على كمال قدرته وحكمته حتى لا يشتبه اثنان من النّاس ولا يلتبسان مع كثرتهم .