حبيب الله الهاشمي الخوئي
225
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والمراد بالتسبيح حسبما أشرنا إليه معنى منتظم لما ينطق به لسان الحال ولسان المقال بطريق عموم المجاز . وذهب بعض أهل العرفان إلى أنّ المراد به التسبيح بلسان المقال حيث قال : خلق اللَّه الخلق ليسبّحوه فأنطقهم بالتسبيح له والثناء عليه والسّجود له فقال * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَه ُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ ) * الآية وقال أيضا * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَه ُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) * الآية وخاطب بهاتين الآيتين نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الذي أشهده ذلك وأراه فقال : ألم تر ، ولم يقل : ألم تروا فانا ما رأيناه فهو لنا ايمان ولمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عيان ، فأشهده سجود كلّ شيء وتواضعه للَّه ، وكلّ من أشهده اللَّه ذلك وأراه دخل تحت هذا الخطاب ، وهذا تسبيح فطرى وسجود ذاتي نشأ عن تجل تجلَّى لهم فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتيّ ، وهذه هي العبادة الذاتيّة الَّتي أقامهم اللَّه فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقّه . قال : وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر ممّن لا كشف له قال : ونحن زدنا مع الايمان بالاخبار الكشف ، فقد سمعنا الأحجار تذكر اللَّه رؤية عين بلسان تسمعه آذاننا منها ، وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال اللَّه ممّا ليس يدركه كلّ انسان ، انتهى . وفيه ما ذكره من الدّليل لا يفي باثبات مدّعاه إذ التسبيح الذاتي والسجود الفطري الذي ذكره ليس أمرا وراء التسبيح بلسان الحال فما معنى قوله وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر . وبعبارة أخرى التسبيح ، إما قالىّ وهو التسبيح بالنطق واللَّسان مثل قول سبحان اللَّه ونحوه ، وإما حاليّ وهو دلالة المخلوق على ما لا يليق بذاته تعالى من لواحق الامكان ولواحق الحدوث والنقصان ، إذ ما من موجود إلَّا وهو بامكانه وحدوثه يدلّ دلالة واضحة على أنّ له صانعا قادرا عليما حكيما واجب الوجود قطعا للتسلسل .