حبيب الله الهاشمي الخوئي
226
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فأن أراد بالسجود الذاتي هذا المعنى فينا فيه قوله وليس هذا التسبيح بلسان الحال . وإن أراد المعنى الأوّل فدليله لا ينهض به إذ محصّل ما ذكره من الدليل أنّ الخطاب في الآيتين متوجّه إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بخصوصه ، ولذلك قال : ألم تر ولم يقل : ألم تروا ، ولو كان المراد التسبيح بلسان الحال لقال ألم تروا ، لأنّ التسبيح الحالي يعرفه كلّ أحد بخلاف التسبيح القولي فانّه مختصّ رؤيته بالنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . ويتوجّه عليه أنّا نمنع اختصاص الخطاب به صلَّى اللَّه عليه وآله بل متوجّه إلى كلّ من يتأتّي منه الرؤية والنظر لو قلنا بالقول الاخر ، ويشهد بذلك قوله في سورة النحل * ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) * حيث أتى بصيغة الجمع فلا فرق بين هذه الآية والآيتين المتقدّمتين ، غاية الأمر أنّ الاستفهام في الأوليين للتقرير وإن كان الخطاب مختصّا بالنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وفي هذه للتوبيخ والتقريع ، ومن المعلوم أنّ التوبيخ إنّما توجّه عليهم بسبب تمكَّنهم من الرؤية ، والرؤية العيانية كما ذكره هذا القائل غير ممكنة ، فلا بدّ من حمل السجود على السجود بلسان الحال ، والرؤية بالرّؤية بمعنى التفكر . ثمّ ما ادّعاه أخيرا من الكشف وأنّه سمع باذنه ذكر الأحجار بعد الغضّ عن أنّه دعوى بلا برهان يناقض ما قرّره أولا من اختصاص الرؤية العيانية بالنّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لأنّه على زعمه يكون شريك النبوّة في الرؤية العيانية مع ساير أرباب المكاشفة ، وهذا يقتضى أن يؤتى الخطاب في الآيتين بصيغة الجمع ويقال : ألم تروا . اللَّهمّ إلَّا أن يقال : إنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم له قوّة الرؤية لسجود جميع الأشياء ، وهذا القائل ادّعى تسبيح البعض كالأحجار ، ولما ذكر سبحانه في الآيتين سجود الجميع وتسبيحهم لا جرم خصّ رؤيته بالنبيّ لكونه فقط متمكَّنا من رؤية الكلّ ، هذا وربما استدلّ على ما قاله هذا القائل من أنّ الجماد والنبات والحيوان كلَّها ناطقة بالحمد والثناء والتسبيح والتقديس قولا لقوله « ولكن لا تفقهون تسبيحهم »